تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4945

مساهمون:

ص٤٩٤٥
بوضعه بمشيئة اللّه تعالى وإرادته ، لا بما يسمونه بالتفاعل من غير إرادة الفاعل المختار الوهاب ، وإن وضعها إلى أجل مسمى هو مدة الحمل التي لا يقدرها إلا اللّه تعالى .
ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
، أي يخرج كل واحد منكم طفلا لا يقوى على الحياة وحده ؛ لأنه يكون ضعيفا كما قال اللّه تعالى :
. . . وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
( 28 ) [ النساء ] ، وأطول مدة لحاجة المولود إلى أبويه من الحيوان هو الإنسان ، وفيها يحتاج إلى الرضاعة والحضانة ، حتى يستوى شابا يبلغ أشده ، وتكمل قواه ، هذا قوله تعالى :
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
، ثم عاطفة لتبلغوا أشدكم على فعل محذوف ، هو في معنى جزء العلة ، وتقديره مأخوذ من الكلام السابق ، والمعنى يخرجكم طفلا لتتربوا وتكبروا شيئا فشيئا وتكلئون برعاية آبائكم وأمهاتكم ،
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
، وكان العطف ب « ثم » ؛ لأن مدة الطفولة ، تطول ولا تقصر ، فالتراخى ثابت بالزمان ، وبالبعد بين الطفولة والرجولة و « أشدّ » يقول البيضاوي إنها جمع شدة ، كأنعم جمع نعمة ، والشدة هنا القوة المستمكنة التي تعتمد على ذاتها ويكون لها كيان مستقل عن أبويه ، ومنكم من يتوفاه اللّه تعالى في قوته وشبابه أو كهولته حتف أنفه أو قتلا في جهاد أو اعتداء :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
ولم يقل سبحانه وتعالى يبلغ أرذل العمر ؛ لأن بلوغ أرذل العمر ليس بلوغ غاية تتغيّا وصالحة في ذاتها ، وعبر بقوله :
يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
؛ لأنه رجعة إلى الوراء ، وعودة إلى الضعف في جسمه فيهن العظم ، ويتقوّس الظهر ، ويضعف العقل ، ويضل الفكر ، وينسى بعد أن كان يعلم ؛ ولذا قال :
لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
، أي أن ما علمه ينساه ، فما كان من علم يذهب ، وما كان عنده من تدبير وقدرة على العمل ، ووزن للأمور ، وسماه تعالى :
أَرْذَلِ الْعُمُرِ
، أي العمر المرذول الذي يكون عبئا على صاحبه . وقد ذكر سبحانه بعد هذا الدليل الملزم المبين قدرة اللّه تعالى ذكر دليلا آخر ، وهو في المطر والنبات كما كان الأول في الإنسان ، وإذا كان في الأول نعمة الإيجاد ، ففي الثاني نعمة الإرث .