لشخصها ، ويزكى هذا التخريج التعبير بالماضي ، وكلا التخريجين يفيد أنها في حال هذا الفزع تنسى وتذهل عما لا يمكن أن ينسى أو يذهل عنه .
وإنه من هول هذا الموقف ، وتلك الزلزلة
وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
من الرهبة والفزع ، فالحبالى ينزل حملهن من الفزع قبل ميعاد وضعه ، ووضعه على الرغم منها لفزعها ، واضطرابها ، وكأن هذه الزلزلة تزلزل الجسم ، وتزلزل النفس ، كما قال تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا . . .
( 214 ) [ البقرة ] ، وقد صور اللّه تعالى حالهم بعامة رجالا ونساء ، مراضع وغير مراضع ، حبالى وغير حبالى ، فقال :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
، أي تراهم كالسكارى ،
وَما هُمْ بِسُكارى
فكأن هنا استعارة مؤداها أن الناس لفرط ذهولهم ، ونسيانهم لأنفسهم شبهوا بالسكارى ، فهم في غفلة وذهاب رشد ، وضياع وعى كالسكارى ، وإن لم يكونوا في حقيقة أمرهم سكارى تناولوا مسكرا ، كما تقول لشجاع قوى هو أسد وليس بأسد ، أي أنه في شجاعة الأسد ، كأنه هو هو ، وإن كان رجلا عاقلا ، ولعل ذلك يكون أبلغ في وصفه بالشجاعة .
وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
الاستدراك هنا لنفى السّكر عنهم ، وإن كانوا كالسكارى ، وبهذا الاستدراك بين سبحانه شدة عذابه الواقع عند الزلزلة ، والمتوقع بعدها ، وأنهم يستقبلون هولا أشد وقعا ، وأعظم إيلاما ، فهو ليس إفزاعا عقليا ونفسيا فقط ، بل هو مع ذلك إيلام حسى بالنار كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .
وإنه مع هذه الزلزلة التي تزلزل العقول والنفوس ، هنا ناس في لهو عن توقع ذلك مع شدة النذير ، وكثرة العبر :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ
( 3 ) .
إنه في الوقت الذي ينذر رسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم بأخبار يوم القيامة الذي تكون فيه السماوات غير السماوات وتزلزل النفوس والعقول بزلزلة الأرض يكون