تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4900

مساهمون:

ص٤٩٠٠
وجاءت الروايات بأن داود عليه السلام حكم بأن يأخذ صاحب الحرث الغنم في مقابل ما أتلفت الغنم من الحرث ، وكانت القيمتان متقاربتين . ولكن سليمان - عليه السلام - رأى أن خيرا من هذا أن يأخذ صاحب الحرث الغنم تدر عليه لبنها ويستولى على منافعها ، ويأخذ الآخر الأرض يحرثها ، وكأن أجرة الأرض تكون هي منافع الغنم وردها . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه هو الذي أفهم سليمان هذا الحكم فقال عزّ من قائل :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ
. دل هذا القول على أن حكم سليمان كان بإلهام من الله ، ويومئ إلى أنه كان الحق ، وإن لم يكن حكم داود كان باطلا ، فقد بذل فيه سبيل الاجتهاد ، وكان مقاربا ، ولم يكن مناقضا للحق ، والأحكام تبنى في الدنيا على المقاربة ، ولو كان القاضي نبيا جعله الله تعالى خليفة في الأرض ما دام الحكم لا شطط فيه ؛ ولذا قال تعالى :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
أما العلم فعلم النبوة ، وأما الحكم فقالوا إن الحكمة والقدرة على فهم الأمور ودراستها من كل جوانبها ، ويصح أن نقول : إن المراد بالحكم أهلية الفصل بين الخصوم ، وقد ذكر سبحانه وتعالى أنه كان شاهدا مقرا لحكمهم . ويلاحظ هنا أن الحكم الذي أقره الله تعالى أو كان عليه شاهدا ، وهو حكم داود عليه السلام وحكم ابنه سليمان هو جزاء مشتق من ذات الاعتداء ولو بالتسبب ، فإن صاحب الغنم تركها من غير أن يراقبها ويحفظها فنفشت في الحرث ، فكان الجزاء من ذات موضع الاعتداء ، فقدره داود بأن تؤخذ الغنم في نظير الزرع لأن قيمتها كانت تساوى الزرع ، وبذلك كان الجزاء من جنس الاعتداء وهو مقارب ، وأفهم الله تعالى سليمان أن يجعل الاعتداء جزاءه مماثلا ولو في الظاهر لموضع الاعتداء فكان أن يترك صاحب الحرث لصاحب الغنم يحرثها ويزرعها ، حتى إذا
زهرة التفاسير — صفحة 4900 | محمد أبو زهرة