والجبروت اختبارا لنفسك ، وكل فعل وقول محتسب عليك ، وختما قولهما بإلقاء الأمن بعد الإرهاب المفزع له ، ولو كان فرعون مصر ، فقالا :
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
، أي إن الأمن والاطمئنان والدعة وعدم الانزعاج يكون لمن اتبع الهدى ، فإن لم تتبع الهدى فلا أمن ولا اطمئنان ، بل انزعاج وعدم استقرار ، وإرهاب من الله ، ولو كنت فرعون ، ووحّدا الآية وهما اثنتان ؛ لأن المراد ما به البرهان على الرسالة وواحدة كافية .
أخذا يخاطبانه بالرسالة التي بعثا بها ، فقالا :
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
( 48 ) ، أي أن الرسالة التي بعثنا بها وأوحى إلينا من الله معناها ولبها
أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
وأعرض موليا الداعي بوجهه نائيا بجانبه عنه ، وهنا إشارتان : إحداهما أن موسى عليه السلام كان ربه يكلمه ويوحى إليه ، والثانية : أنهما ابتدءا الدعوة بالجزء المخوف منها ، وهو العذاب لمن تولى وأعرض ونأى بجانبه عن الدعوة ؛ وذلك لأن الجبابرة يرهبهم الأمر المغيب عنهم ويفزعهم فيحاولون من بعد إرهابهم الاستماع إلى القول ، وإن كانت عاقبة الاستماع في الاستجابة غير محققة ، فالشر ينازع نفوسهم ، ويقاوم الخير ، فأيهما غلب كانت العاقبة له .
وقد أكد سبحانه الوحي وموضوعه ب « قد » ، و « أنّ » . ولقد كان ذلك الترهيب له أثره فقد اتجه إلى الاستفهام والتعرف . . .
قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
( 49 ) كان الخطاب لهما ولكن اختص موسى بالذكر ؛ لأنه المتكلم باسمهما ، فما كانا يتكلمان معا ، بل كان يتكلم موسى ويوافقه هارون ؛ لأن هذا وزير ، وذاك الرسول المبعوث ، ولأنه كان يأنس موسى ؛ لأنه تربى في كفالته ، ورعايته ، وهو قريب إلى نفسه مع ما بينهما من بعد بالهداية في موسى ، والكبرياء الضال في فرعون ، وقال الزمخشري : لأنه كان يعلم رتّة لسانه ويريد أن يحرجه في البيان ، ويستدل على ذلك بقوله عندما احتدم الخلاف :
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ