تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4643

مساهمون:

ص٤٦٤٣
استغرقتهم الغفلة واستولت عليهم وحاطتهم كأنها ظرف لهم قد استقروا فيه ، والغفلة قد جاءتهم من غرور بالحياة الدنيا ، ومن استيلاء الأهواء على نفوسهم ، فصاروا لا يصدرون إلا عنها ، وجاءتهم من سيطرة الأوهام عليهم ، وجاءتهم من أنه لا مرشد ولا هادي ، وليس فيهم أمر بمعروف أو نهى عن منكر . والوصف الثاني : أنهم
لا يُؤْمِنُونَ
وعبر اللّه سبحانه عن ذلك بقوله تعالى :
لا يُؤْمِنُونَ
وهذه الجملة حالية كأختها ، والحال أنهم لا يؤمنون ، وكان النفي نفيا للمضارع للإشارة على استمرارهم على الإيمان وهو نتيجة للغفلة التي أحاطتهم وسكنوها ؛ لأن الإيمان بصر الحقائق وإدراك لها . هذا ، وإن الغرور المتمكن في أهل هذه الدنيا أنهم يحسبون في أعمالهم أنهم باقون ، ولا يفكرون في الموت ، وإن فكروا في الموت لا يفكرون في البعث ، وقد أكد سبحانه وتعالى هاتين الحقيقتين الموت والبعث فقال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ
( 40 ) . أخبر اللّه تعالى عن نفسه بعبارة تدل على عظمة اللّه وجلاله ، وأكد ضمير
إِنَّا
ب
نَحْنُ
، للدلالة على أنه لا باقي إلا اللّه تعالى ، والجميع ميت ، كما قال تعالى مخاطبا نبيه :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
( 31 ) [ الزمر ] ، وقوله تعالى :
نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها
، أي نحن نرث الأرض ونرث من عليها ، فموضع
وَمَنْ
في قوله تعالى :
وَمَنْ عَلَيْها
النصب ب
نَرِثُ
، ومعنى وراثتها أنه هو وحده الباقي بعد الأرض ومن فيها فكلها إلى نهاية ، وقد شبه وجوده العزيز الجبار بأنه يكون بعدها ؛ كي يكون الوارث بعد المورث ، فالمورث يموت والوارث يموت بعده ، ولكن اللّه حي لا يموت ، وليس المعنى ان اللّه يرث الأرض ويرث ما ترك الناس من المال والنسب ، فاللّه غنى من المخلوقات كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
( 15 ) [ فاطر ] ، ثم قال :
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ
وهو البعث ، وقدم الجار
زهرة التفاسير — صفحة 4643 | محمد أبو زهرة