ذلك طرف من أخبار أبى الأنبياء إبراهيم عليه السّلام ، وقد ذكرت أخبار إبراهيم في عدة مواضع من القرآن الكريم ، ولا تكرار فيها قط ، بل ذكر في كل موضع جزء من أخباره يخالف الآخر ، ففي سورة البقرة كانت أخبار بناء الكعبة وصلة إبراهيم بخاتم النبيين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي آخرها خبر إحياء الموتى ، وفي سورة الأنعام كان تأمله في النجم والقمر والشمس حتى اهتدى إلى اللّه ، وفي سورة التوبة كان وصف إبراهيم المصور لشخصه الكريم بأنه أواه حليم ، وفي سورة إبراهيم كانت دعوته لذريته :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
( 37 ) ، وفي السورة نفسها كانت قصة هبة اللّه له إسماعيل وإسحاق :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ . . .
( 39 ) ، وفي سورة الأنبياء كانت قصة تحطيمه الأوثان وإلقائه في النار :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
( 69 ) وهكذا نرى أنه لا تكرار في القرآن وقصصه ، وإذا كانت قصة إبراهيم وموسى ونوح وغيرهم قد تكرر ذكرها في القرآن فليس تكرارا لأخبار واحدة ، وإنما تتناول الأجزاء نواحي مختلفة ، ولا تتكرر ناحية .
قال تعالى في ابتداء قصة إبراهيم :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا
( 41 ) .
الأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والكتاب هو القرآن ، و ( ال ) للاستغراق ، المعنى أي أنه هو الكتاب الجدير بأن يسمى كتابا ، وهو الكامل والمستغرق لكل صفات الكمال ، والقصر فيه قصر إضافى ، أي أنه لا كتاب يوصف بالكمال المطلق سواه ، وقوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا
والصّديق هو البالغ أقصى درجات الصدق في القول والعمل والإذعان للحق ، وهو الذي يصدق الحق إذا ألقى إليه ، لا يمارى فيه ولا يمتنع عن الإقرار به والإذعان له ، وأي دلالة أبلغ من التصديق والإذعان عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه فهمّ بأن يذبحه ، وقد قال تعالى في ذلك :
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما