تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4595

مساهمون:

ص٤٥٩٥
وقد بين سبحانه وتعالى أن الأخسرين أعمالا هم الكافرون ، ذكر في ضمن البيان الحكيم سبب خسرانهم ، فقال عزّ من قائل :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ( 103 ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
( 104 ) . الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم والاستفهام للتقرير ، فكأنهم سئلوا فأجابوا مقررين بأنهم ( الأخسرين أعمالا ) ، والأخسرون جمع أخسر ، وهو أفعل تفضيل ، يراد به الذين بلغوا من الخسران أقصاه ، فلا خسارة فوق خسارتهم ، أو أنهم بالنسبة للمؤمنين أكثر خسارة لأن المؤمنين إن خسروا في الدنيا متاعها ، فأولئك خسروا ما هو أعظم وهو متاع الآخرة ، وكان في ذلك موازنة بين حال المؤمنين وحال الكافرين ، فالمؤمنون وإن كانوا قد فقدوا بعض متاع الدنيا ففي مقابل ذلك فقد الكافرون متاع الآخرة فكانوا الأخسرين حقا وصدقا ، وخسارة المؤمنين لا تذكر بجوار خسارتهم . وقد ذكر سبحانه ركن الخسارة وقوامها فقال عزّ من قائل :
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
( 104 ) .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
، أي كان عملهم ضلال في ضلال ، ووصف العمل بأنه ضلال مع أن الضلال في العامل مبالغة في الضلال ، كأنه بضلال النفس انتقل الضلال إلى العمل ، للإشارة إلى أن العمل يكون ضلالا بضلال النفس ، وفساد القصد ، وقال :
سَعْيُهُمْ
ولم يقل « عملهم » ؛ للإشارة إلى أن كل جهد يبذلونه يكون جهدا في ضلال فلا يكون فيه خيرا أبدا . ومع هذا لا يعتقد أنه ضلال بل يحسبه رشادا ؛ ولذا قال :
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
، أي أنهم بضلال الفعل وضلال الفكر ، يفعلون الشر ، ويظنون أنهم يفعلون الخير فانقلب تفكيرهم فحسب الشر خيرا ، وذلك أشد
زهرة التفاسير — صفحة 4595 | محمد أبو زهرة