وقوله تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ
، يصح أن يكون الضمير عائدا على الأوثان ، ويكون المعنى : ويجعلون للأوثان التي هي أحجار لا تعلم شيئا ، ولا تضر ولا تنفع ، نصيبا مما رزقناهم ، وأعيد الضمير إلى الأوثان على أنه ضمير العقلاء ؛ لأنها كذلك في زعمهم ، فيكون ذلك تهكما بهم .
ويصح أن يعود الضمير إليهم كالضمير في
وَيَجْعَلُونَ
والمعنى على هذا يكون : ويجعلون لما لا يعلمون له حقيقة تسوغ لهم أن يعبدوها ، إنما هو وهم قد سيطر عليهم من غير حقيقة ثابتة يعلمونها ، أو هي صالحة لأن يعلموها إذ هو لا وجود له إلا على أنه حجر لا يضر ولا ينفع ، والخيال الناشئ هو الذي جعل لهم ذلك التصور الباطل .
وإن ذلك أعظم الافتراء على اللّه وعلى الحقيقة ؛ ولذا قال تعالى مؤكدا القول بالقسم بذاته العلية :
تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ
وهذا تهديد شديد ، قد أكده سبحانه بالقسم بذاته العلية وبتلك الصيغة القوية ، وهي القسم بالتاء ، وباللام ، وبنون التوكيد الثقيلة ، وأنهم مسؤولون عن هذا الافتراء .
وسمى اللّه سبحانه وتعالى ذلك افتراء وكذبا مقصودا ؛ إذ أشركوا ، وكذبوا على اللّه وعلى أنفسهم ، وضلوا إذ نذروا لما لا يعلمون له حقيقة ، وضلوا بذلك ضلالا بعيدا .
ظلم البنات
قال تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 57 إلى 62 ]
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 )
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 )