وحذفت ( بيان ) ، وبقيت كلمة
قَصْدُ
نظرا إلى المضاف ، للإشارة إلى أن الطريق القاصد هو بنفسه هاد ، ذلك لأن النفوس المفطورة على فطرة اللّه تعالى الحق وحده يهديها ويرشدها .
وليس معنى أن قصد الطريق على اللّه أنه لازم عليه ، بمعنى أنه واجب عليه ، فاللّه تعالى لا يجب عليه شئ وليس في الوجود من يوجب عليه شيئا ، سبحانه وتعالى ، وإنما كتب اللّه تعالى على نفسه أن يضع لهم أسباب العلم والهداية ودراية الحق ليسلكوه مختارين ، فليس فيه إلزام على اللّه ، كما أنه ليس فيه جبر للعباد .
وَمِنْها جائِرٌ
، ( جائر ) أي مائل منحرف حائد ، ليس بمستقيم ، والضمير في ( منها ) يعود إلى السبيل وهي الطريق ، وتؤنث . وذكر هذه الجملة بعد الأولى يدل على أن الأصل هو الاستقامة ؛ لأن الفطرة مستقيمة بذاتها ، والانحراف من تسلط الشياطين بتسليط الأهواء ، والشهوات .
وإن هذين الخبرين يدلان على أن الناس فيهم المستقيم ، والمنحرف الجائر الحائد عن الطريق ، وإن اللّه تعالى قد وضع للفريقين أسباب الهداية والصواب لعلمه القصد ، فمنهم سلك القاصد ومنهم من انحرف عن الطريق السوى :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
، أي لو شاء أن تكونوا جميعا على سواء في الرشاد ، لهداكم أجمعين بأن جعلكم جميعا تسلكون سبل الهداية ، وأنتم مختارون غير مجبرين كما قال تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها . . .
( 13 ) [ السجدة ] .
عاد سبحانه وتعالى من بعد أن بين أن اللّه سن طريق الهداية وهو طريق الفطرة ، وأن الناس يجورون بالطريق فيرتكبون ما لا يجوز ، بعد ذلك بين النعم العادية الداعية إلى الشكر لمن أراد الحق وسلك سبيله ، فقال تعالى :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
( 10 ) .
الضمير يعود إلى اللّه جل جلاله ؛ لأنه حاضر دائما ، ولأنه المتحدث عنه في القرآن دائما ، ولأن القرآن كتابه ، فهو منه والقرآن هو الذكر الحكيم .