تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4073

مساهمون:

ص٤٠٧٣
نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
( 170 ) [ البقرة ] ، فإذا كان محمد صلى اللّه عليه وسلم قد عانى من هؤلاء المشركين الذين يتشيعون لأوثانهم ، فقد عانى الرسل قبلك نفس المعاناة من شيع الأولين ، فاصبر يا محمد كما صبروا . وقد ذكر سبحانه وتعالى حال هؤلاء الرسل مع تلك الشيع المتجمعة على الباطل فقال :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 11 ) . ( الواو ) تصل الجملة التي سبقتها بالجملة التي لحقتها ، وهي موضع السلوى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم من إيذاء الضعفاء أصحابه الذين لا يملكون حولا ولا طولا ، ولا جوارا يدفع عنهم ، واستهزاء بالدين الحق ، وصاحبه وأتباعه ، ومعنى الجملة السامية ( لا يأتيهم ، أي رسول
إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
) ، ف
مِنْ
هنا صلة لبيان عموم النفي ، والاستهزاء به ، أي لا يأتيهم أي رسول فمهما يكن ما عليه من خلق كريم ، ومهما يكن ما يأتي به من حق مبين إلا جعلوه والحق الذي معه موضع استهزائهم وسخريتهم ، وذلك لفساد عقولهم ، وسفه أحلامهم ، وكان ذلك اختبارا لصبر الرسل ، وقد صبروا . ويقول الزمخشري : « إن قوله تعالى :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ
حكاية لحال ماضيه ؛ لأن ( ما ) لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال ، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال ، ولعل مراده أنهم استمروا على هذه الحال في الماضي ، فالواقع بك من سخرية واستهزاء هو استمرار لحال وقع بعضها في الماضي ، ويقع الباقي معك ،
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ . . .
( 35 ) [ الأحقاف ] . وإن ذلك شأن الإجرام في الحاضر والماضي يدخل بالاستهزاء في قلوب المجرمين ، ولذا قال تعالى :
كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
( 12 ) . والسلك إدخال الشئ في غيره كإدخال الخيط في الإبرة ، والرمح في المطعون ، والسهم في الهدف ، والضمير في
نَسْلُكُهُ
يعود إلى الضلال والتعصب والاستهزاء ، وهذا كله مفهوم من سياق الكلام ، ويصح أن يعود الضمير
زهرة التفاسير — صفحة 4073 | محمد أبو زهرة