قص يوسف على أبيه ما أصابه من شدة ، ولكنه ذكر النعم التي أعقبت النقم ، ذكر خروجه من السجن ، ولم يذكر دخوله ،
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ
وذكر تأويل الرؤيا وغايتها ، ولم يذكر ما كان بعد الرؤيا ، وكان مستمتعا بنعمة الأبوة إذ يناديه
يا أَبَتِ
وفيها ياء المتكلم قلبت تاء ، حتى كان اللفظ نداء محبة .
ذكر اللقاء السعيد في هناءة وسرور ، فقال :
وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ
، أي جاء بكم من بدو الصحراء حيث لأوائها وشدائدها ، وقيظها وريحها الرعناء الساخنة إلى ريف مصر وخصبها .
فهو يذكر النعم ، والنفس المؤمنة تذكر النعمة وتشكرها فكانت نفس النبي الصديق ذاكرة للنعمة غير مبينة للشدة ؛ لأن الأساس هو النتائج ، لا الوسائل .
ولم تذكر قضيته مع إخوته إلا بالإشارة غير عائدة باللائمة عليهم ، بل يكاد لا يخلى نفسه من ملام ، فيقول :
مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
أي أفسد ما بيننا من محبة وود وإخاء جامع ، و
نَزَغَ
معناها نخس وأفسد من قولهم نخس الدابة فجمحت فألقت حملها ، ولم ينسب الشر إلى إخوته ، بل نسب النزغ بأنه بينهم مع أنهم المعتدون وهو البريء المجنى عليه ، ولكنه الكريم ابن الكريم ، يريد أن يمحو العداوة بالمودة ، وعبر بالأخوة الرابطة ، فقال :
نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
، ثم بين لطف اللّه ، وترتيبه الخير وسط إرادة الشر ، فقال مثنيا على ربه بما هو أهله ،
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ
، أي لطيف التدبير محكمه يجعل الخير من إرادة غيره ، ويجعل من النقمة نعمة ، ومن السيئة حسنة .
إذ لولا سيئة إخوته ما كانت أرداف الحسنات التي أسبغها اللّه تعالى عليه ، إنه هو العليم بكل شئ ، العليم بمقدمات الأمور ونهاياتها الحكيم الذي يدبر كل شئ بمقتضى علمه الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء .
ثم اتجه إلى اللّه شاكرا له فضل نعمائه جملة وتفصيلا فقال :
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
ابتدأ النداء الضارع بقوله :
رَبِّ
أي