أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى ، بل قال شاكرا
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
أنت لطيف لما تشاء ، وإذا كانت مصر قد اشتهرت بحكم الفراعنة والاستبداد ، فقد جاء حكم يوسف حكما صالحا ، ليثبت اللّه أن الإصلاح زرع طيب يربى النفوس ، ويقوى العزائم حتى في أرض فرعون الذي طغى وبغى وأكثر فيها الفساد .
والسورة فوق ذلك تصور كثرة أسباب الرق وفوضاه ، وتصور أسباب السجن ومظالمه ، وتصور الحال الاقتصادية في مصر ، والبلاد التي تجاورها ، وكيف كانت مصدر الرفد لمن حولها ، وغير ذلك مما ذكرناه في تفسير قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ
( 7 ) ، الذين يبحثون عن حقائق الأمور ومآلاتها .
يقول تعالى :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ
الإشارة إلى ما ذكر من أنباء كان يوسف قطبها ، والخطاب فيه للرسول ليكون ذلك المذكور من نبأ يوسف تسلية لابن عمه محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، يتسلى به إذ يرجو النصر ، وإن كان الشرك هو الظاهر ، فهذا غلام ملقى في الجب ، ثم يباع ويشترى ، وتنكشف الأمور بعد سجنه عن ملك عادل يسوس أخصب أرض الشرق نماء وثروة ، إن من يحكم الأمور بتدبيرها ليس ببعيد عليه أن يخرجك من وسط بأساء قومك ، إلى عز اللّه تعالى :
مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
، الأنباء جمع نبأ ، وهو الخبر الخطير ذو الشأن ، و
الْغَيْبِ
أي متلبسا الغيب ؛ لأنه غائب عنك ، وعن قومك ، وما كان ليعلمه أحد من قومك ، لأن أحداثه ليست في بلاد العرب ، وما كانت في أرض مجاورة لبلاد العرب ، بل في أرض غير مقاربة ، ولا في إقليم كالعرب ، بل في إقليم له تقاليد فرعونية طاغية ، يقول حاكمها ما أريكم إلا ما أرى ، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ، فهو حاكم يفنى الشعب في شخصه ، ولا يفنى في شعبه ، يظلم ويسيطر ، ولا يعدل ويشاور .