لكن كانت المفاجأة
وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ
، وببديهة المرأة حولت التهمة إليه ، وأرادت به السوء
قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ
بدلت الحقيقة ، فاتهمت البريء لتبرئ نفسها ، وقررت العقوبة ، وهي السجن أو عذاب أليم .
ولقد نطق البريء وما كان لينطق لولا هذا الاتهام
قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي
هي تتهمه وهو يتهمها ، ويظهر أن ذلك الأمر شاع في داخل الأسرة ، وأريد الفصل فيه بإعلان من تكون عليه التهمة لاصقة ، ومن يكون له البراءة فكان لا بد من حكم منصف ، فحكم بعض أهلها ، وإن لم يكن محايدا ، وقد حكم بالعدل ، فقرر أنه
إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ
أي من أمامه
فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ
، لأنها هي التي جذبته لكيلا يفر من الاتهام ، ويكون هو الذي راودها ، وحاول ، ثم لما رفضت أراد الفرار ، فجذبته لكيلا يهرب .
وإذا كان قميصه قطع من دبر أي الوراء فمؤدى ذلك أنه أراد الفرار مما دعته إليه ، وأرادت استبقاءه لغايتها ، وقد ثبت أن قميصه قدّ من دبر أي من الوراء ، وهذا قوله تعالى :
. . . وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
( 28 ) ثبتت براءة يوسف ، واتهامها ، ويظهر أن العزيز كان قد أوتى حلما ، فلم يسارع إلى عقاب لها ، بل اكتفى بأن حكم عليها ، واتهمها بالكيد وتدبير الشر ، وإن هذا من النساء غير مستغرب .
ولما ذا تساهل هذا التساهل ؟ لعله عذرها لجمال يوسف ، ولإيمانه بعفته ، وقد يكون لبرود طبعه ، أو لقوة سلطانها عليه .
وَشَهِدَ
هنا معناها حكم ، كما يبدو من السياق .