أخذت الألسنة في المدينة تلوك الخبر ، وتتحدث به ،
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ
، ما بين لائمة ومتعرفة ، ومتمنية كشأن النساء ، وقال سبحانه :
فِي الْمَدِينَةِ
لبيان شيوع القول بين أهل المدينة ، وقلن
فَتاها
؛ لأن الفتى هو العبد ، وذكر ذلك لتصغير شأنها ، وأنها تتحبب إلى عبدها ، وقالوا في بيان تدلهها به ،
قَدْ شَغَفَها حُبًّا
، أي أصاب شغاف قلبها حبه ، فيقال شغفه إذا أصاب شغاف قلبه ، ويقال دمغه إذا أصاب دماغه ، و
حُبًّا
تمييز محول من الفاعل أي شغف حبه قلبها ، ثم حكمن عليها بالضلال حكما صريحا ،
إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي ضلال بين واضح ، والضلال هنا تنكب الصواب ، والوقوع في الهوى الذي لا يليق بها فهو لوم شديد لها .
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً
لما سمعت بأقوالهن اللائي يروونها أرسلت إليهن ،
وَأَعْتَدَتْ
أي هيأت
لَهُنَّ مُتَّكَأً
، أي أقامت لهن وليمة أو نحو ذلك ، وسمى متكئا تسمية للشئ باسم مكانه ، وهي تصور التنعم الذي كانت فيه ،
وَآتَتْ
وأعطت
كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً
، ولعل ذلك كان موجب الوليمة أو ما يشبهها .
وسمّت قولهن مكرا ؛ لأنهن كن يشعنه ، وكأنه تدبير السوء ، ولأن بعضهن علمته من جانبها فما كتمن لها سرا ، ولأنهن كن يوجهن اللوم إليها ، ويتبادلن ذلك ، وكأنه أمر يدبر ، ولذا سمى مكرا .
وبعد أن تهيأ المجلس ، قالت ليوسف اخرج عليهن
وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ
.
خرج عليهن ، يتلألأ فيه نور الحق ، الجمال الذي كساه اللّه إياه ، فأخذ أبصارهن وقلوبهن ، وحسهن ، فقلن :
حاشَ لِلَّهِ
أي تنزيها له عن فعل البشر ، وقوله
لِلَّهِ
، لأنه هو الذي نزهه وكرمه ، أو قلن كلمة التنزيه ، لأنه خلق مثل هذا الملاك الكريم .