هذا تشبيه تمثيلى جار مجرى الأمثال ، كما قال تعالى :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
( 45 ) [ الكهف ] .
شبه حال الدنيا في سرعة انقضائها وانخداع المغرور بها ، كزرع نبت في الأرض من اختلاط ماء السماء بها وسريانه في نباتها حتى إذا أخذت زخرفها ولمعت لمعان الذهب وازينت بالغروس من كل لون ، وفرحوا بها وظنوا أنهم تمكنوا فيها - أتاها أمر اللّه فأزال زرعها بوباء أو بآفة فصارت كأنها قد حصدت بمنجل ، وأصبحت قفرا خاليا كأن لم يكن فيها زرع نبت ردحا من الزمان ، وهذا مثلهم في الدنيا لا يبقى لهم منها إلا الحسرة والندامة ، مثل ما بقي من الزرع الذي فنى حيث يرتقبون منه الانتفاع .
هذه خلاصة التمثيل القرآني وما نحسب أننا وصلنا إلى غاية بيانه فله إشارات بيانية نعيا عن بلوغها ، وأطياف نورانية يعيا المصور عن تصويرها
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي حالها في سرعة انقضائها وقت زينتها والاغترار بها .
إِنَّما
دالة على القصر ، وخصصت بهذا الحال لبيان حقيقتها ، وهي أنها فانية عند ازدهارها ، أي ليست بها صورة بقاء قط إنما حقيقتها الفناء .
كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
قصد بالسماء هنا ما علا الأرض وأحاط بها ، والماء هو المطر وقد يكون عينا تنبت الزرع والكلأ وغراس الأرض .
فَاخْتَلَطَ
هناك قراءة بالوقف عليها ، والمعنى أنه نزل على الأرض ماء اختلط بترابها فأخصبه للزرع والنبات وإثمار الغراس ، وقوله تعالى بعد ذلك :
مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ
( من ) بيانية ، لبيان نتيجة الاختلاط .