أو عن الطمع ، والصبر علاج الجزع والطمع معا ؛ إذ الجزع ضعف في الإرادات وخور في العزيمة ، والطمع يتنافى مع ضبط النفس ، وضبط النفس لا يكون إلا مع الصابرين ، واللّه تعالى مع الصابرين .
وقد رفع اللّه تعالى الصابرين إلى أعلى المراتب عند اللّه ، فذكر أنه سبحانه في آية أخرى أنه يحب الصابرين ، والحب أعلى من الرضوان ؛ لأنه يتضمن رضا اللّه وأكثر منه ، وهو أن يكون محبوبا عند اللّه ؛ لأن الصبر تحمل المشقة في طاعة اللّه ، وقد أكد اللّه محبته للصابرين بالجملة الاسمية وب ( إنّ ) المؤكدة ، وبفعل المضارع الدال على تجدد المحبة كلما صبروا ، وإن محبة اللّه - تعالى - غاية المؤمنين الصادقين .
وإن ذلك الصبر يكون بإخلاص النية لله تعالى ، وألا تكون الحرب بطرا ورئاء الناس ، بل تكون لله سبحانه وتعالى ؛ ولذلك حظر اللّه تعالى من الحرب بطرا ورئاء الناس فقال تعالت كلماته :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
.
إن الإيمان قوة الجهاد ، وإخلاص النية لله تعالى هي خشيته ، والمؤمنون كانوا يجاهدون طالبين مرضاة اللّه ومحبته ، وكانوا يصبرون ويصابرون ، وقد حثهم اللّه على طاعته ورسوله ، وأن يمتنعوا عن النزاع ، وقد جنبهم أن يكونوا كالمشركين الذين يحاربون مفاخرين ، قد بطروا معيشتهم ، ولا يهمهم إلا المراءاة بالقتال ، والصد عن سبيل اللّه ؛ ولذا قال تعالى :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ
البطر كفر النعمة والتقوية بها على معاصي اللّه ، والاستعلاء بها على الناس ، والرئاء مصدر راءى يرائى ، يقصد به الظهور أمام الناس مفاخرا مباهيا ، لا يقصد به رفع حق ولا خفض باطل ، ولا إغاثة ملهوف ، ولا نصرة مظلوم ، بل يقصد الغلب لمجرد الغلب ، وقد خرجوا من ديارهم لهذا الغرض وهو البطر ورئاء الناس ؛ ولذا قالوا : إن بطرا ورئاء الناس مفعولان لأجله ، أي العلة الباعثة للخروج من ديارهم هي البطر والمفاخرة والاستعلاء على الناس ، وإذا كان لهم غرض آخر يظهر من أعمالهم ، فهو الصد عن سبيل اللّه تعالى باستعلائهم ، وإرهاب الناس