ويحتمل أن المعنى أنها تكون في الدنيا صادرة عن نفوس طيبة مؤمنة ، وتكون خالصة لله تعالى ، وخالصة من كل إثم ، أما غير المؤمنين فإن تناولهم لهذه الطيبات قد يكون إثم مبطئ من الخير ، فحبطت أعمالهم ، والاحتمالان جائز جميعهما ، فيكون المعنى خالصة يوم القيامة لهم ، وخالصة من الآثام في الدنيا ، وختم اللّه - سبحانه وتعالى - الآية بقوله تعالت كلماته :
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
، أي كهذا البيان الذي بينه تعالى في هذا الشأن يفصل ، أي يبين الآيات القرآنية والكونية لقوم من شأنهم أن يعلموا ، فلا تغطي غواشى الأوهام والأهواء قلوبهم ، فيدركون الحق ويعلمون بنور بصائرهم ، ومن شأنهم أن يعلموا ؛ ولذا عبر بالفعل المضارع واللّه تعالى أعلم .
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 33 ) .
حرم المشركون أو بعضهم اللبس في الطواف ، وحرموا بعض الأطعمة ، وأباح اللّه تعالى ذلك للمسلمين في غير إسراف ولا لتفاخر ، بل بتجمل وتستر ، بعد ذلك بين اللّه ما حرمه على الناس ، وتحريمه مستمد من الفطرة ؛ ولذا أمر اللّه تعالى نبيه أن يبنى لهم ما حرم والفطرة تحرمه . قال عزّ من قائل :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
.
أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله
قُلْ
؛ لأنه مبين شريعة القرآن ، والمبلغ لها ، وبين لهم قصر التحريم على الفواحش والإثم والبغى ، والشرك والكذب على اللّه .
و
إِنَّما
: للقصر ، أي أن التحريم مقصور على هذه المحرمات كلها ، وأهل الشرك ما كانوا يتحرجون عنها بل ارتكبوها كلها ، وقال سبحانه :
حَرَّمَ رَبِّيَ
للإشارة إلى أن المحرّم هو رب الوجود ورب الإنسان الذي يعلم الفطرة ، وفي ذلك إشارة إلى أن الذي حرم هذا ، إنما حرمه متسقا مع الفطرة التي فطر الناس عليها ، وهو رب كل شئ ، والفواحش هي الأمور التي تفحش وتزيد على