تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1698

مساهمون:

ص١٦٩٨
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ
أَ لَمْ تَرَ
هذا تعبير قرآني قد تكرر في كثير من آي القرآن الكريم ، وأصل الصيغة للاستفهام ، وهو موجه إلى عدم الرؤية ، والاستفهام إنكاري لنفى وقوع ما دخل عليه ، فإذا قال القائل : أفعل فلان كذا . . . ؟ ! يستنكر نسبة الفعل إليه ، فمعناه نفى الفعل مع توبيخ من نسب إليه ذلك ، أو تنبيه السامع إلى النفي ؛ لأن معناه حينئذ : ما وقع من فلان هذا الفعل ، وما كان يعقل أن يقع منه . والاستفهام هنا متجه إلى أمر منفى ، ويقول العلماء إن نفى النفي إثبات ، فيكون معنى النص : قد رأيت ونظرت ببصيرتك وبصرك إلى عمل الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، وفي هذا التعبير تنبيه إلى تأكد العلم بحال هؤلاء الذين تراهم من أهل الكتاب ، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم أوتوا نصيبا أي مقدارا من الكتاب ولم يؤتوا الكتاب كله ؛ لأنهم نسوا حظا مما ذكروا به ، ولأن الأحداث التي توالت عليهم من غارات التتار ومظالم الرومان ، قد جعلت أجزاء من كتبهم تتقطع سلسلة سندها ، ويذهب عنهم علمها ، وهم فوق ذلك لم يعملوا بأحكام ما وصل إليهم ، فهم قد وصل إليهم بعض الكتاب ، وحرفوا ذلك الذي وصل إليهم ، وأولوه على غير معناه ، وأهملوا العمل بأكثره ، فهم لم يؤتوا علما وتفسيرا وعملا إلا أقله ! . وموضع التنبيه والغرابة ليس هو وصفهم ، وإن كان في ذاته أمرا أعجبا ، إنما موضعه أنهم يبتغون الضلالة ويطلبونها ولو دفعوا فيها أغلى الأثمان ، وهو الهدى ، ولا يطلبونها لأنفسهم ، بل يريدون أن يكون غيرهم مثلهم في ضلالهم ، ولذا قال سبحانه وتعالى :
يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ
أي تبعدوا عن الطريق المستقيم الذي هو صراط الله تعالى الذي قال فيه تعالى :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
( 153 ) [ الأنعام ] . وهنا يرد بحثان لغويان : أحدهما أنه ذكر هنا المطلوب وهو الضلالة ، ولم يذكر المتروك كما في بعض الآيات الكريمة :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
( 16 ) [ البقرة ] والجواب عن ذلك أن ذكر المطلوب وهو الضلالة من غير ذكر
زهرة التفاسير — صفحة 1698 | محمد أبو زهرة