تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 930

مساهمون:

ص٩٣٠
اقتتل الذين جاءوا بعد النبيين كما بينت الآية السابقة ، واختلفوا في تلك الحقيقة المقررة الثابتة التي دعا إليها النبيون منذ أول مبعوث رحمة للعالمين ؛ ولقد ناسب أن يبين سبحانه بعد ذكر الخلاف ثم القتال ما جعله المشركون موضع خلاف ، وهو في حقيقة الأمر فوق كل خلاف إن استقامت العقول ، وسلمت الفطرة ، ولم يدسّ النفس في الشر نازغ الشيطان ، ويضل ابن آدم حتى يطمس في قلبه نور البرهان . ولذلك قال سبحانه :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
وهذه الآية الكريمة تذكر صفات الله تعالى وسلطانه وكمال وجوده ، وفيضه بنعمة الوجود على كل شئ في الوجود . ولقد ذكر العلماء أنها تشتمل على حقيقتين مقررتين تؤكدان معنى الوحدانية ، وتربيان المهابة الإلهية في قلب كل مؤمن صافي السريرة قد خلا قلبه من كل رين الشرك ؛ ومن مظاهر العبودية لغير الله سبحانه وتعالى : الحقيقة الأولى : أنها تشتمل على عشر جمل ، كل جملة منها تشتمل على وصف أو وصفين فيه بيان كمال الله العلى الأعلى ، وسلطانه الشامل الكامل ، وألوهيته الحق المستقرة في ثنايا كل نفس إلا من ختم الله على قلبه . الحقيقة الثانية : أنها أكثر آي الكتاب الكريم ذكرا لله رب العالمين . ولقد ذكر بعض العلماء أن الله العلى العليم ذكر فيها بالاسم الظاهر أو الضمير أكثر من سبع عشرة مرة ، وقد أحصاها عدا . ولاشتمال تلك الآية الكريمة على ذكر الاسم المقدس ، وتنزيهه سبحانه وكمال سلطانه ، وامتيازها بتكرار ذكر الله - ذكر كثير من العلماء أنها أعظم آية في كتاب الله ، واستندوا في ذلك إلى أخبار صحاح وردت في صحاح السنة ، من أقوال النبي الأمين « 1 » . والقرآن كله فوق قدرة العقل البشرى ، وهو في ذاته أعظم كتاب نزل من
هامش
( 1 ) عن أبىّ بن كعب قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا المنذر أتدرى أىّ آية من كتاب اللّه معك أعظم ؟ » قال : قلت : اللّه لا إله إلا هو الحىّ القيّوم . قال : فضرب في صدري وقال : « واللّه ليهنك العلم أبا المنذر » [ رواه مسلم : صلاة المسافرين - فضل سورة الكهف وآية الكرسي ] .