فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
أي إذا زال الخوف ، وأقبل الأمن ، فأقيموا الصلاة مستوفية لكل الأركان ، أي تأتون بحركاتها كاملة ؛ وذلك في معنى قوله تعالى بعد بيان صلاة الخوف :
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
( 103 ) [ النساء ] .
فالذكر المراد به هنا الصلاة الكاملة المستوفية الأركان ، وعبر عنها بالذكر للإشارة إلى أن المغزى فيها هو ذكر الله تعالى ، وإلى أن ذكر الله مطلوب أشد الطلب ، وأن الصلاة بغيره لا تسمى صلاة ولو كانت مستوفية الأركان الظاهرة ؛ وبهذا يتبين أن هذه الحركات مهما تكن كاملة لا يمكن أن تغنى عن استحضار القلب لمعاني العبودية والخضوع الكامل لرب العالمين ؛ ولذا يقول الصوفية : إن الصلاة بغير هذه المعاني الروحية لا تكون صحيحة مهما تكن كاملة من حيث الأقوال والأفعال .
وقوله تعالى :
كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
أشار فيه الزمخشري إلى تفسيرين ، على أن النص الكريم يحتملهما :
أحدهما : أن المعنى أدوا الصلاة كاملة كما علمكم على لسان رسوله الكريم ، وبأفعاله ، بأن تأتوا بالركوع والسجود تامين ؛ فالكاف معناها المشابهة بين ما يفعلون وما يطلب منهم فعله ، وبين ما علمهم إياه رب العالمين بتبليغ النبي الأمين إذ قال :
« صلوا كما رأيتموني أصلى » « 1 » .
وثانيهما : أن المعنى أدوا الصلاة شاكرين حامدين ذاكرين رب العالمين ، ويكون ذكركم مقابلا بما أنعم الله به عليكم من تعليمكم شريعته التي يكون في اتباعها صلاح حالكم في الدنيا والآخرة ؛ ففي الدنيا صلاح أنفسكم وأسركم ومجتمعكم ، وفي الآخرة بالزلفى لرب العالمين ؛ ويكون معنى الكاف على هذا هو المشابهة المقربة
هامش
( 1 ) جزء من حديث أخرجه البخاري : الأذان - الأذان للمسافر ( 595 ) ، ومسلم : المساجد ( 1080 ) غير أنه لم يذكر قوله صلى اللّه عليه وسلم : « صلوا كما رأيتموني أصلى » ، ورواه الدارمي بنحو من رواية البخاري : الصلاة - من أحق بالإمامة ( 1225 ) .