وهكذا هداية الله تعالى تبتدئ من هداية النفس والعقل إلى الحق وطلبه ، ثم الإدراك للآيات البينات الدالة على واجب الوجود ، ثم هداية الله تعالى بالرسل يرسلهم ليكونوا للعالمين نذيرا ، ثم هداية الله تعالى بما يكون لرسله المصطفين الأخيار .
اهْدِنَا الصِّراطَ
إن هدى تتعدى بإلى وباللام كقوله تعالى :
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ
( 24 ) [ الحج ] وكقوله تعالى :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 52 ) [ الشورى ] ، وقوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
( 2 ) [ البقرة ] وقوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . . .
( 9 ) [ الإسراء ] .
ولكن هنا لم يتعلّق قوله تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
ب « اللام » ولا ب « إلى » ، ولذلك حكمة بيانية ، وذلك أنها تضمنت معنى الهداية باختيار خير عاقبة ، فتضمنت الهداية معنى الاختيار ، ويكون المعنى اهدنا مختارا لنا في هدايتك الصراط المستقيم . و « اختار » تتعدى بنفسها من غير أداة جر كما قال :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا
[ الأعراف ]
والصراط معناه الطريق الجدد أو الجادة ، وقالوا إنه « السراط » بالسين ، وبذلك قرئت في بعض القراءات المتواترة ، وقالوا : إن الأصل في السراط الاستراط بمعنى الابتلاع ، كأن الطريق يبتلع من يسلكه لاتساعه ، وأنه جادة متسعة ، لا يبين سالكها ، وقد وصف بأنه المستقيم لأن المستقيم أقرب خط بين نقطتين ، فهو أقرب موصل للغاية المرجوة .
والمعنى على هذا : اختر لنا يا رب العالمين أقرب طريق متسع يوصل إلى ما يرضيك ، وهو غايتنا ، ومطمعنا ورجاؤنا ، والصراط المستقيم هو طريق الله الذي أمر