ويستعمل أيضا في نصف الشئ أو جزئه ، ومهما يكن من الأصل اللغوي فالمراد هنا الجهة أو الناحية أو نحو ذلك ، والبيت الحرام قبلة الناس في مشارق الأرض ومغاربها ، روى عن ابن عباس أنه قال إن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « البيت قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي » « 1 » .
وقوله تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
الخطاب فيه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو إجابة لما رجاه ، فخصه أولا بالإجابة إرضاء وتقريبا وإيناسا ، وتشريفا ، ولتبيين منزلته عند الله تعالى .
وقد بين من بعد ذلك أن هذا حكم عام ، وليس بخاص بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
.
وقد كان النص السابق ربما يفيد معنى الخصوص ، وإن كان لا يدل عليه ، فقد يفيد خصوص النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وخصوص المكان الذي يقيم فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكان هذا النص يفيد عموم الخطاب ، وعموم الناس ، وعموم الأمكنة ، وكل يتعرف مكانه وموضع اتجاهه ، ففي أي مكان حيث يكون يتجه إليه مجتهدا يتعرف مكان اتجاهه ، جاعلا وجهه صوب الكعبة على جانب من جوانبها ، وعلى أي ريح من ريحها ما دام متجها نحوها ، غير مستدبر لها .
وقد أشار القرآن الكريم إلى سفه الذين قالوا ويقولون :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها . . .
( 142 ) [ البقرة ] وكان اليهود مبعث هذا التشكيك ، وإن كانوا لم ينالوا فيه مأربا . وقد بين سبحانه وتعالى أنهم دائبون على إنكارهم وسفههم ، وإثارتهم للريب وإن لم يستطيعوا ، فقال تعالى مبينا مبالغتهم في الجحود مع علمهم بالحق :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
والضمير في قوله
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في سننه : باب من طلب باجتهاده الكعبة ( 2266 ) ج 2 ص 280 . وانظر نصب الراية للزيلعي ( 52 ) ج 1 ص 253 .