شوكتهم في بلاد الغربة ، ويؤلفوا قوة منيعة من الرجال والمال والسلاح . ثم يعودون إلى مكة أقوياء ، وتدور عندها الدائرة على قريش ، فيحل بها وبالآلهة التي تعبدها الويل والثبور ، وتنزل بهم عظائم الأمور . هذا ما رآه كفار قريش من هجرة المسلمين ، فقد خافوا أن تكون العواقب وخيمة عليهم ، فمضوا على نفس الدأب في العنت والإرهاب ، بل وبأشدّ مما مضى ، حتى توهن عزائم من بقي من المسلمين في مكة ، فلا يحقق محمد شيئا من الهجرة التي أشار بها على أتباعه .
إسلام عمر بن الخطاب .
وقد برز في تلك الفترة عمر بن الخطاب من أشدّ المتحاملين على الدعوة الإسلامية . فقد كان في طباع الرجل غلظة ، وقلّما تدخل الرحمة إلى قلبه . كما أنه كان صاحب خمرة ، يحبها ويسعى لمعاقرتها . وتلك الطباع قد حملته على ملاحقة المسلمين ، ومشاركة جماعته في أذيتهم ، والنيل منهم . وقد بلغ به الحماس يوما ، أن يعلن لندمائه ، بأنه لم يعد قادرا على احتمال بقاء محمد بن عبد اللّه في مكة ، وأنّ على قريش أن تقتله ، وتفرغ من أمره .
وبينما كان في جلسة منادمة ، راح زملاؤه يحرّضونه على أن يتولى هو بنفسه قتل محمد ، لأنه أقدر الناس على ذلك . فهبّ خارجا من الخمارة ، ولكنّ نعيم بن عبد اللّه استوقفه في الطريق ، ليسأله عما يهيجه ، فاعترف له عمر ، تحت وطأة السكر ، أنه ذاهب للقضاء على محمد ، فما كان من نعيم إلّا أن قال له :
- لقد غشّتك نفسك يا عمر ! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي