تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
« وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ »
محمدا صلّى اللّه عليه وسلم
« وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ »
سماع قوى جارحة السّمع كثيرة ، ويعبر علماء البيان عن مثل هذا بإطلاق الجزء على الكل مبالغة ، أي كأنه كله سمع لشدة سماعه ، وقوة حاسته ، وعليه قوله :
إذا ما بدت ليلى فكلي أعين * وإن هي ناجتني فكلي مسامع
كما يطلق الكل على الجزء في مثل قوله تعالى
( يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ )
الآية 16 من البقرة أي رءوسها ، ويريد المنافقون في هذه الكلمة أنه صلّى اللّه عليه وسلم يصدق كل ما يسمعه ويقبله دون تحقيق عن صحته ، وهذا هو معنى الأذن عندهم ، فإنهم يطلقون هذه الجارحة على من شأنه سماع الكلام وقبوله على علاته باعتبار أن جملته أذن سامعة ويقصدون بذلك الطّعن به صلّى اللّه عليه وسلم ، أي أنه ليس بعيد غور في الأمور ، بل هو سريع الاغترار بكل ما يسمع دون تروّ ونظر ، قاتلهم اللّه وأخزاهم ، فإنهم أخذوا شيئا من عادات اليهود بمثل هذا راجع الآية 105 من سورة البقرة المارة ، مع أنهم واليهود سواء ، بل هم شر من اليهود ) يعلمون علم اليقين أنه صلّى اللّه عليه وسلم أكمل البشر في حركاته وسكناته ومبرأ من كلّ عيب ومنزّه من كلّ طعن ، ولكنهم لا يريدون أن يعترفوا بذلك حسدا وعنادا ، وقد أنزل اللّه هذه الآية في جماعة من المنافقين كانوا يجلسون بعضهم إلى بعض ويقولون ما لا ينبغي بحق الرّسول ، كاليهود في هذه العادة ، فقال أحدهم نبتل بن الحارث نخاف أن يبلعه قولنا ، وكان ينمّ حديث الرّسول إليهم وكان مشوّه الخلقة أزنم ثائر الشّعر أحمر العينين أسفع الخدين ، وقد قال فيه صلّى اللّه عليه وسلم من أحب أن ينظر إلى الشّيطان فلينظر إليه ، فقال له الجلاس بن سويد إذا بلغه قولنا ننكره ونحلف له فيصدقنا لأنه أذن . قال تعالى
« قُلْ »
يا سيد الرّسل لهؤلاء الفجرة هب أني أذن كما تقولون ، ولكن
« أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ »
أسمع ما هو صالح لكم لا ما هو شرّ وفساد ، والمعنى أنكم كما تقولون ، ولكنه نعم الأذن ، لأنه مسمع خير لا على الوجه الذي تذمّونه به ، لأنه يقبل منكم ما تقولون وتعتذرون به ، مع علمه أنه خلاف الواقع لكرم أخلاقه وعلو آدابه ، فإنه يتغافل عما لا يليق ولا يريد أن يكذبكم وقرئ ( أذن وخير ) بالتنوين وبلا تنوين أذن ، وجرّ خير بالإضافة كقولك رجل صدق ،