تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
قال تعالى
« سَيَقُولُ السُّفَهاءُ »
الجهلة خفيفو العقول قليلو الروية
« مِنَ النَّاسِ »
بعد نزول آية تحويل القبلة
« ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها »
عند مجيئهم إلى المدينة ، وأي شيء صرفهم عنها وهي قبلة جميع الأنبياء ؟
« قُلْ »
يا سيد الرسل لهؤلاء المعترضين
« لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ »
وما بينهما فما كان منها قبلة كان بجعل اللّه تعالى ، وهو الذي
« يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 142 »
ومن هذه الهداية التوجه إلى الكعبة بعد البيت المقدس لأنها قبلة إبراهيم عليه السلام . وسبب نزول هذه الآية على ما رواه البخاري عن ابن عباس قال : لما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يحب أن يتوجه نحو الكعبة ، فأنزل اللّه تعالى
( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ )
إلى آخر الآيات . وفي رواية أبي إسحاق وعبد بن حميد وأبي حاتم عنه بزيادة ، فأنزل اللّه تعالى
( سَيَقُولُ السُّفَهاءُ )
إلخ الآيات ، وهذا أليق بالمقام ، وفيه ردّ لقول القائل إن قوله تعالى
( سَيَقُولُ السُّفَهاءُ )
متقدمة في التلاوة متأخرة في النزول عن قوله
( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ )
إلخ ، على أنه لا مانع من القول بنزولها قبلها لأنها جاءت بلفظ الاستقبال ، فهي من قبيل الإخبار بالشيء قبل وقوعه كسائر المغيبات التي أخبر اللّه تعالى بها رسوله قبل نزولها ، وإنما غاظ اليهود تحويل القبلة وأزعجهم جدا لأنهم يرون ذلك قصدا لمخالفتهم ، حتى أنهم عمدوا إلى تخريب مسجد الرسول وحرضوا بعض الناس على تخريب الكعبة الشريفة ، كما ألمعنا إليه في الآية 114 المارة ، إذ كان نزولها وقت الأمر بتحويل الكعبة ، وقد أخبر اللّه تعالى في هذه الآية عما صاروا يقولونه بينهم من أجل ذلك ، وقد ذكرنا بعض هذا في الآية 115 المارة ، لأن حضرة الرسول منذ دخل المدينة كان يحب التوجه إلى الكعبة ، ولكنه لم يستبد بشيء يريده ، إلا أن يقترن بأمر اللّه وإرادته ، وكان في استقباله لبيت المقدس قرب لاستمالة اليهود إلى الإيمان به وتصديقه ، لأن وصفه مذكور في كتابهم وعضّده التوجه لقبلتهم ، ولكنه لم يزدهم ذلك إلا إنكارا وتعنّتا وحسدا وعنادا ، فلما أمره اللّه بالتوجه للكعبة صاروا يتقولون بما تسوّله لهم أنفسهم الخبيثة من أن محمدا ما ترك