في الناس أن سليمان كان ساحرا ، ولذلك فإن أكثر السحر يوجد عند اليهود ، فأنزل اللّه تعالى براءته بقوله عز قوله
« وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا »
لأنهم
« يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ »
ويأمرونهم به ، ولم يكن سليمان ساحرا وإنما كان نبيا ، وصاروا يدونون السحر ويعلمونه للناس لإغوائهم
« وَ »
يعلمون الناس أيضا
« ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ »
بلدة قديمة بأرض الكوفة من العراق ، سميت بذلك على ما قيل ، لأن تبلبل الألسن وقع فيها ، ويفهم من قوله تعالى
( وَما كَفَرَ )
أن تعلم السحر كفر ، وقدمنا ما يتعلق به في الآية 52 من سورة الشعراء المارة في ج 1 ، وهذا ما يدل على وجود الشياطين واختلاطهم مع البشر وأنهم كانوا قبل خلق آدم يسكنون الأرض بصورة ظاهرة كما بيناه في الآية 30 المارة وما ترشدك إليه من المواقع .
مطلب في السحرة وهاروت وماروت والحكم الشرعي في السحر والساحر وتعلمه وتعليمه والعمل به :
هذا وسبب إنزال الملكين على ما ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره أن الحكمة من ذلك هو أن السحرة كانوا يسترقون السمع من الشياطين ويلقون ما يسمعون بين الخلق ، فيشتبه بالوحي النازل على الأنبياء ، فأنزلهما اللّه تعالى إلى الأرض ليعلما الناس السحر فيظهر بذلك الفرق بين كلام اللّه تعالى وكلام السحرة .
وقال ابن جرير الطبري إن اللّه عرّف عباده جميع ما أمرهم ونهاهم ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم بما أمروا به ونهوا عنه ، ولو كان الأمر على غير ذلك لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم ، والسحر مما نهى عباده عنه من بني آدم ، فغير منكر أن يكون اللّه تعالى علّمه الملكين اللذين سماهما
« هارُوتَ وَمارُوتَ »
اسمين أعجميين سريانيين وجعلهما فتنة لعباده كما أخبر عنهما بقوله
« وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ »
ابتلاء ومحنة
« فَلا تَكْفُرْ »
أي لا تتعلم السحر فتكفر إذا عملت به عملا يخالف شريعتك التي أمرك اللّه بها على لسان رسله باتباعها ، حذار حذار أيها الإنسان ، ومقاربة ما يؤدي إلى الكفر ، وإنما يقولان ذلك ليختبر اللّه عباده الذين نهاهم عن السحر وعن التفريق الملمع به إليهما بقوله جل قوله