فلا يكاد يبصر جيدا ، إذ يصير على عينيه كالضباب ، ونظيره عرج بضم الراء لمن به عرج حقيقة ، وعرج بفتحها لمن مشى مشية الأعرج من غير آفة في رجله ، وفعل يعش هذا من الأول أي يتعامى
« نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً »
يحمله على الغفلة عن ذكره ويسوقه إلى الهفوات في أقواله وأفعاله
« فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ »
36 لا يفارقه أبدا فيزين له العمى ويخيل له أنه على الهدى حتى يستولي عليه ، فيجب على الإنسان المسارعة لفعل الخير والتملّي في ذكر اللّه بعين بصره وبصيرته ، ولا يترك للشيطان مجالا في قلبه ليستولي ، ولهذا فإن من يداوم على ذكر الرحمن يتباعد عنه الشيطان فلا يقربه ما دام ذاكرا له . قال تعالى
« وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ »
يصدون العاشين
« عَنِ السَّبِيلِ »
السوي والهدى والرشد
« وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ »
37 بسبب وساوسه ودسائسه يريهم الشر خيرا والإيمان كفرا ، وقد جمع الضمير في أنهم لأن من مبهمة في جنس العاشي ، ولفظ شيطان مبهم في جنسه أيضا ، فأرجع الضمير في أنهم الذي يعود على الشيطان مجموعا لذلك ، ولأن من باعتبار معناها تدل على الجمع
« حَتَّى إِذا جاءَنا »
وقرأ بعضهم جاءنا أي العاشي وقرينه
« قالَ »
العاشي لقرينه اذهب عني
« يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ »
غلب المشرق على المغرب كما غلب القمر على الشمس في القمرين ، أو أنه أراد مشرق الصيف ومشرق الشتاء ، لما بينهما من البعد ، والأول أبلغ لأنه المتعارف ولأنه أكبر بعدا ، أي انك أهلكتني بمقارنتك في الدنيا ، ليتني لم أتعرف عليك
« فَبِئْسَ الْقَرِينُ »
38 أنت ، قال تعالى
« وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ »
العتاب والمجادلة والحذر من قرب بعضكم لبعض
« إِذْ ظَلَمْتُمْ »
أنفسكم بالأمس أي الدنيا ولم تذكروا يومكم هذا الذي منه حذركم أنبياؤكم
« أَنَّكُمْ »
اليوم
« فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ »
39 كما كنتم في الدنيا مشتركين بالكفر ، قالوا إن عموم البلوى بطيب القلب ، وعلى هذا قول الخنساء في بعض رثائها لأخيها صخر :
ولولا كثرة الباكين عندي * على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن * أعزّي النفس عني بالتأسي
فهؤلاء يؤسيهم اشتراكهم في العذاب ولكن لا يروّحهم لعظم ما هم فيه ،