تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
العرار وردة طيبة الرائحة ناعمة وكان القائل مر بها قبل العشية وهو سائر ، فإذا لم يشمها في ذلك الوقت فاته ريحها ، فكذلك الإنسان إذا لم يمتع نفسه في هذه الدنيا بالعمل الصالح وهو قادر عليه فاته ذلك بالسقم والهرم والموت على حين غرة فيندم ولات حين مندم ، لذلك يجب على العاقل أن لا يضيع الفرص بالتسويف والتأني . وليعلم أن الدنيا بما فيها كله زهيد عند اللّه تعالى ولذلك يقول في صدر هذه الآية
( لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ )
إلخ أي لأعطيت الكفار أكثر أسباب الحياة المفيدة للرزق ليتنعموا بها في هذه الدنيا الحقيرة ، ولكن لم نفعل ذلك لئلا تزداد الرغبة في الكفر ، وتشير هذه الآية إلى الإعراض عن الدنيا وزينتها والتحريض على التقوى والتمسك بالدين القويم . أخرج الترمذي وصححه وابن ماجة عن سهل بن سعد قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء . وعن علي كرم اللّه وجهه قال : الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليه كلب في يد مجذوم . هذا ، وأخذ من هذه الآية قاعدة شرعية وهي إذا كان بناء سفلي لرجل وعليه بناء علوي لآخر فيكون السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلو لأنه منسوب إلى البيت . وقرئ سقفا بضمتين وبضم وسكون وفتح وسكون . وأخرج الترمذي بحديث حسن عن المسور بن شداد جدّ بنى فهر قال : كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على السخلة الميتة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها ؟ قالوا من هوانها ألقوها يا رسول اللّه ، قال فإن الدنيا أهون على اللّه تعالى من هذه الشاة على أهلها . وروى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر . راجع الآية 104 من سورة يوسف المارة تعلم هذا . وان اللّه تعالى لم يعط الكفرة جميع الأسباب المفضية للنعم كراهية أن يرغبوا فيها فتؤدي بهم إلى الكفر حين يرون أهله منعمين ، فيتوهمون أن ذلك لفضيلة فيهم . قال تعالى
« وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ »
فلم يذكره عند شدّته ورخائه ويعش بضم الشين بمعنى يتعامى ويتجاهل ، وقرئ بفتح الشين أي يعمى ، والفرق بينهما أن الأول من عشا يعشو إذا نظر ولا آفة في بصره ، والثاني عشي يعشى إذا كان في بصره آفة