كلا لا يقدرون على الهرب منا ، ولا يفلتون من قبضتنا ، أو يظنون أنا لا نعاقبهم ، بلى سننتقم منهم لا محالة ، وإذا كان هذا ظنهم فقد
« ساءَ ما يَحْكُمُونَ »
4 به فقد خاب ظنهم وبئس ما حكموا به . واعلموا أيها الناس أن
« مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ »
في الآخرة فعليه أن يحسن إيمانه ويشفعه بالعمل الصالح ، ويعتقد بالبعث بعد الموت
« فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ »
المضروب للقائه الذي فيه عقاب الكافر وإثابة المؤمن
« لَآتٍ »
لا محاله ، فليستعد له ويستمر على صالح العمل كي يصدق رجاؤه ويحقق أمله . وإتيانه كناية عن إتيان ما فيه من الخير العظيم لأهل الخير ، والشر الجسيم لأهل الشر ، ألا فلينتظر المحسنون ثواب أعمالهم والمسيئون عقابها
« وَهُوَ السَّمِيعُ »
لأقوال عباده سرّها وجهرها
« الْعَلِيمُ »
5 بنياتهم طيبها وخبيثها ، ثم طفق جل شأنه يعرض بالجهاد ويرغب فيه لقرب أوانه ، لأنه تعالى سيأذن لحبيبه في هذه السورة بالهجرة التي هي مقدماته ، فقال عز قوله
« وَمَنْ جاهَدَ »
منكم أيها الناس أعداء اللّه الكافرين أعداءكم لإعلاء كلمة اللّه وتخليص عباده من الذل ومن رق الكفار ، وأنقذهم من أذاهم المرهق ، وصبر نفسه على قتالهم ، وصدق ربه بما آتاه من قوة بدنية ومالية
« فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ »
لأنها هي التي تحظى بعظيم ثوابه لتلك الغايات الشريفة ، فمن زهد بنفسه لأجل اللّه فيكون جزاؤه ومكافاته عليه ، وناهيك به مجاز يعطي على القليل الكثير ، وعلى العظيم أعظم منه
« إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »
6 وإيمانهم وجهادهم ولو شاء لما أحاجهم إلى الجهاد ، ولكن أمرهم به لمنفعة أنفسهم وليظهر لخلقه من منهم الطائع له أزلا والعاصي كما هو مدون في لوحه ولما يعود عليهم بسببه من الخير العميم والفضل الجسيم ، قال تعالى
« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
التي أعظمها الجهاد في سبيل اللّه في زمنه ووقت الحاجة الماسة إليه ، وإلا فتوحيد اللّه أعظم منه وسد عوز المحتاج الذي لا يقوم به أحد أفضل أيضا
« لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ »
في الآخرة ولنبدلنها حسنات بسبب ما ضحوه من الأعمال الطيبة لإيمانهم
« وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ »
7 مر مثلها في الآية 97 من سورة النحل المارة .