تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
عند اللّه تعالى الذي يعظم الأجر للصابر ، وعند الناس لما يطرونه من الثناء عليه في وجهه والمدح بغيابه بخلاف التقاصص ، إذ لا يقال للمقتص إلا أنه أخذ حقه ولم يعف ولم يصفح ولم يقبل الرجاء بالعفو . هذا ولما مثل المشركون بقتلى أحد بقروا بطن حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه وجدعوا انفه وقطعوا مذاكيره وأذانه وأخذت هند بنت عتبة أم معاوية قطعة من كبده ومضغتها لتأكلها تشفيا به فلم تقدر أن تسيغها فأخرجتها وأرسلتها ، فتأثر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى ذلك وقال رحمك اللّه رحمة واسعة ما كنت إلا فعالا للخيرات وصولا للرحم ، ثم قال واللّه لئن أظفرني اللّه بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك فأنزل اللّه هذه الآية ، فقال صلى اللّه عليه وسلم بل أصبر وأحتسب ، وكفر عن يمينه . وإنما قلت تأثر صلى اللّه عليه وسلم لأنه بشر يعتريه ما يعتري البشر ، وقد بكى على ابنه إبراهيم واغتاظ لابن بنته ، ورأى مرة النساء يبكين في جنازة وقد انتهرهن عمر رضي اللّه عنه فقال عليه السلام دعهن يا عمر فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب . هذا وسمى الفعل الأول عقوبة للمزاوجة في الكلام ، يعني إن أساء إليكم أحد فقابلوه بإساءته مثلا بمثل ، راجع الآية 39 فما بعدها من سورة الشورى المارة تجد ما يتعلق في هذا البحث مستوفيا . وقد أمر اللّه تعالى برعاية العدل والإنصاف في استيفاء الحقوق في القصاص ، لأن الزيادة ظلم تأباه شريعة اللّه العادل . وما قيل إن هذه الآية منسوخة قول لا يلتفت إليه بل هي محكمة لأنها واردة في تعليم حسن الآداب وكمال الأخلاق والنصفة في استيفاء الحقوق وترك التعدي النهى عنه . ومثل هذه الأمور لا يدخلها النسخ أبدا . قال تعالى يا خاتم الرسل اعمل بهذا
« وَاصْبِرْ »
على ما أصابك من أذى قومك
« وَما صَبْرُكَ »
على ما يؤذيك ويحزنك
« إِلَّا بِاللَّهِ »
بتوفيقه ومعونته لك
« وَلا تَحْزَنْ »
على ما وقع على عمك فإن له فيها درجات في الجنة عند اللّه ، وكذلك قومك لا تحزن
« عَلَيْهِمْ »
بسبب ما فعلوه فيه وعدم رعايتك وعن إعراضهم عنك ولا على قتلى أحد كلهم ، فإنهم أفضوا إلى رحمة ربهم وعطفه ولا يضرهم ما مثله المشركون بهم لأنه مما يزيد في أجرهم
« وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ »
هو الشدة التي ينكمش لها الوجه ويكفهر وينقبض فيها الصدر ويضيق بسبب ما وقع