تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
تراكيب مخلوقاته ، ونتائج ما ركبت لأجله ، لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به ، فأوجبت أن يكون مزاج الرجل حارا يابسا ، والأنثى باردا رطبا ، لأن التولد داخل في بدنها فاختصت بالرطوبة لتصير مادة للتولد وسببا لقبول التمدد والاتساع ، وإن تلك الرطوبة بعد انفصال الجنين تنصب إلى الضرع فتصير مادة لقلب الدم لبنا ، لأجل غذائه كما كانت في الرحم ، حتى انك إذا بالغت بحلب الدابة خرج لك بالحليب حمرة تثبت لك أنه كان دما ، ولم ينضج منه إلا ما خرج قبل المبالغة في الحلب ، ولا يوجد في الرجل شيء من ذلك لعدم الحاجة إليه :
حكم حارت البرية فيها * وحقيق بأنها تحتار
أما من يقول كيف ينقلب الدم لبنا ، فنقول له الذي قلب النطفة البيضاء دما في الرحم قلب الدم الأحمر لبنا أبيض في الضرع ، وهذه النطفة مكونة من الدم ، ولهذا فإن من يكثر الجماع قد ينزل دما . هذا ، وإذا تدبرت بدائع صنع الإله في هذا وغيره وعجائب مكوناته اضطررت للاعتراف بكمال قدرته ، وتمام حكمته ، وتناهي رحمته بعباده ، وغاية رأفته بهم ، قسرا ، فسبحانه من إله عظيم أوحى إلى حبيبه
« وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ »
لكم عبرة عظيمة وعظة كبيرة أيها الناس
« تَتَّخِذُونَ مِنْهُ »
من عصير التمر والعنب ثمر النخيل والكرم
« سَكَراً »
مشروبا يتفكه به كما قال أبو عبيدة ، وخمرا بلغة العرب ، وقال ابن عباس مطعوما يتفكه به ، قال الأخطل :
بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم * إذا مجرى فيهم المزاء والسكر
والمزاء نوع من الأشربة المسكرة . قيل إنه نقيع التمر والزبيب إذ طبخا وذهب ثلثاهما ، وما لا يسكر من الأنبذة ، لأن اللّه تعالى قد امتنّ على عباده في هذه الآية به ، ولا يقع الامتنان منه إلا بمحلل . وقال ابن عباس : هو الخلّ بلغة الحبشة ، واستدل على جواز شرب ما دون السكر من النبيذ صاحب ذلك القيل بهذا التأويل ، وعضد استدلاله بما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : قال حرم اللّه الخمر بعينها القليل منها والكثير . والسكر بضم السين من كل شراب ، أخرجه الدارقطني .