أولى ، إذ روعي في كل من المقامين ما يليق به ، فعبّر أولا بالخطابين المذكورين في مقام الخصوص لسيد المخاطبين بالشأن ، لأن عمل العظيم عظيم ، وعبر بالثاني للأمة جميعهم برّهم وفاجرهم بالعمل العام للجليل والحقير ، ليمتاز رأس النوع الإنساني بالخطاب أيضا عن عامة الناس ، كما امتاز بغيره عليهم
« إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ »
أي أنه تعالى شاهد عليكم حين الدخول في أعمالكم والخوض بأقوالكم . ومعنى الإفاضة الدخول في العمل على جهة الانتصاب إليه والانبساط فيه والتلبس به
« وَما يَعْزُبُ »
ولا يغرب ولا يبعد ويخفى ويغيب
« عَنْ رَبِّكَ »
يا سيد الرسل ما يقع في ملكه
« مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ »
أو أقل ، وذكر الذرة للتقليل عند الناس ، وتطلق على السخلة الصغيرة جدا ، وهو تعالى لا تخفى عليه خافية مهما قلت
« فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ »
ولا فيما بينهما أو فوقهما أو تحت الأرض
« وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ »
منها فعلمه بالقليل كعلمه بالكثير وعلمه بالبعيد كعلمه بالقريب سواء عنده فلا يقع شيء في كونه
« إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
61 » مدون ومثبت بصورة ظاهرة في لوحه العظيم الذي لم يغفل شيئا . قدم في هذه الآية الأرض على السماء وفيما سبق وسيأتي السماء على الأرض في مثل هذه الآية الآية 43 من سورة سبأ الآتية وغيرها ، لأن شهادة اللّه تعالى هنا على أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم ووصلها بقوله
( وَما يَعْزُبُ )
إلخ حسّن تقديم الأرض ، وإلا فحق السماء أن تقدّم على الأرض ، لأنها أفضل منها ، عدا ما ضمّ جثمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فإنّه لا شك أفضل من السماء .
مطلب أولياء اللّه من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة :
ثم إنه تعالى لمّا عمّم وعده ووعيده في حق جميع من أطاع وعصى ، أتبعه سبحانه بشرح أحوال أوليائه فقال مصدرا كلامه بأداة التنبيه
« أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ »
الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة ، وتولى هدايتهم بما آتاهم من الآيات والبراهين على قدرته ، والدلائل والحجج على حكمته ، وتولوا القيام بحقه والرحمة لخلقه ، وتحابوا في اللّه ومن أجله على غير أرحام بينهم أو أموال يتعاطونها ،