ستة وأربعين جزءا من النبوة . والرؤيا ثلاث : رؤيا صالحة بشرى من اللّه ، ورؤيا تحزين من الشيطان ، ورؤيا ممّا يحدّث المرء نفسه ، ولا يحمل معنى الآية إلا على الأولى ، وهذه الأحاديث تأكيد للرؤيا وصدقها . ومعنى أنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وهو أنه صلى اللّه عليه وسلم أقام في النبوة يوحى إليه ثلاثا وعشرين ستة ، كان في بدايتها ستة أشهر يرى الوحي في النام ، فتكون مدة الرؤيا الصادقة جزءا باعتبار كل ستة أشهر جزءا من ستة وأربعين جزءا ، وهذه أصح من رواية خمس وأربعين إلخ ، وفي رواية ست وسبعين وغيرها لانطباقها على المعنى دون كسور ما .
هذا ، وقيل إن البشرى هي الثناء الحسن في الدنيا والجنة في الأخرى ، أخرج مسلم عن أبي ذر قال : قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه ، قال تلك عاجل بشرى المؤمن ، قال العلماء هذه البشرى المعجلة له بالخير في الدنيا دليل للبشرى المؤجلة له في الآخرة المشار إليها بقوله تعالى :
( بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ )
الآية 12 من سورة الحديد في ج 3 ، وهذه البشرى المعجلة دليل على رضاء اللّه تعالى عنه ومحبّته له وتحبيبه إلى خلقه ، وقال الزهري وعطاء وابن عباس وقتادة : هي نزول الملائكة بالبشارة من اللّه عند نزول الموت بدليل قوله سبحانه
( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ )
وتقول لهم
( أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا )
من هول القبر والقيامة
( وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ )
الآية 37 من فصلت الآتية ، وفي الآخرة أيضا بعد خروج نفس المؤمن يعرج بها إلى اللّه ويبشر برضوان اللّه . وقال الحسن هي ما بشر اللّه به المؤمن في كتابه من جنّته وكريم ثوابه يدل عليه قوله تعالى
« لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ »
ولا إخلاف لمواعده التي وعد بها عباده المخلصين العارفين في كتابه وعلى لسان رسله ولا تغيير لشيء من
« ذلِكَ »
أي تبشير المؤمن بما فيه سعادته في الدارين
« هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
64 » الذي لا أعظم منه ، وهذه الآيات الثلاث واقعة كالمعترضة بين ما قبلها وهو
( وَما تَكُونُ )
إلخ ، وبين ما بعدها وهو
« وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ »
في شأنك من التخويف والتهديد ولا يسؤك تكذيبهم وتعزيزهم بكثرة الأموال والأولاد
« إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً »
فالغلبة والقهر على الأعداء بالقدرة من خصائص