حق للغير فيه ، وهو لا يسأل عما يفعل ، له الخلق والأمر . قال تعالى
« وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ »
واذكر يا محمد لقومك يوم يجمعهم ليوم الحساب ، وإذ ذاك يرون أنفسهم
« كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا »
في دنياهم هذه التي يرونها طويلة الأمد
« إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ »
وقيل إن هذا اللبث في قبورهم ، والأول أولى بالمقام ، لأن حال المؤمن والكافر سواء في عدم المعرفة بمقدار اللبث في القبور إلى وقت الحشر ، فتعين حمل المعنى على الكافر ، لأن المؤمن انتفع في مكثه بالدنيا بما عمل من طاعة اللّه ورسوله بخلاف الكافر ، فإنه لم ينتفع بعمره فيها ، لأنه أنفذه بالمعاصي ، لذلك استغل مدة لبثه في الدنيا ، لأنه كان في شهوات ولذات قانية ، فصارت كالعدم
« يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ »
إذا خرجوا من قبورهم كتعارفهم بالدّنيا ، ثم يشتد عليهم هول الموقف فتنقطع المعرفة ، ويعرض الحبيب عن حبيبه ، والزوج عن زوجته ، والابن عن أبيه ، والأخ عن أخيه ، والأم عن ولدها ، قال تعالى
( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ )
الآيات 35 فما بعدها من سورة عبس في ج 1 ، وقال تعالى
( وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً )
الآية 11 من سورة المعارج الآتية ، وقال تعالى
( فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ )
الآية 103 من سورة المؤمنين الآتية لهذا يصير التقاطع بينهم ، فلا ينظر أحدهم للآخر ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه عن صاحبه ، وحينئذ يظهر مغزى قوله تعالى
« قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ »
إذ شاهدوه حقا وكانوا يجحدونه بالدنيا
« وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
45 » في بيع آخرتهم الباقية بدنياهم الفانية وضلوا طريق النجلة ، فحصلت لهم خسارة عظيمة لا تتلافى ، قال تعالى
« فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ »
من العذاب في الدنيا قبل موتك يا محمد
« أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ »
قبل أن نريك عذابا فيهم إذ نرجئه للآخرة
« فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ »
فيها ، وهناك ترى ما أوعدناهم به من الوبال الدائم
« ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ
46 » من المعاصي والقبائح لا حاجة إلى شهود عليها ، لأنها كلها مدونة عنده لم يخف عليه شيء منها ، فكل جارحة تشهد بما فعلت وتبين زمانه ومكانه وصفته ، وإذ ذاك يذوقون العذاب الأليم . وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن بلفظها ومعناها كالآية 94 من المؤمنين الآتية وغيرها ،