لأنه أخبرهم قبل في الآية 89 من سورة الإسراء المارة في ج 1 ، بأنه لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو عاون بعضهم بعضا ، لهذا بعد أن تحداهم بأجمعه تحداهم بما نزل منه ، ولما عجزوا تحداهم بعشر سور منه كما سيأتي في سورة هود في الآية 14 الآتية ، قال تعالى
« بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ »
أي القرآن ، لأن الخلق كلهم عاجزون عن الإحاطة بعلومه ، فهؤلاء المكذبون أعجز من باب أولى ، وقد سارعوا إلى تكذيبه من غير أن يتدبّروا ما فيه ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الدالة على كونه كما وصف آنفا ، ويعلمون أنه ليس من الممكن أن يأتوا بسورة مثله ، والتعبير هنا بلفظ ما عن القرآن دون إن يقال بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه ، للإيذان بكمال جهلهم ، وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به ، وبأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعليته ما في حيز الصلة له ، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما ، إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم ، لأنه أبلغ
« وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ »
أي ولم يقفوا بعد على معانيه الوضعية والعقلية المنبئة عن علو شأنه وسطوع برهانه إلى الآن وحتى بعد ، بدليل النفي المتصل ، وقيل ولما يأتهم بيان ما يؤول إليه من الوعيد الذي هددهم به اللّه أو ولم يأتهم تفسير ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يظهر أنه صدق أم كذب ، وعلى هذا كله فالمعنى أن هذا القرآن معجز من جهة النظم والمعنى ومن جهة الإخبار بالغيب وهؤلاء الكفرة فاجئوه بالتكذيب قبل أن يتدبروا ألفاظه ويتفكروا في معناه ، أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة
« كَذلِكَ »
مثل تكذيبهم هذا الخالي عن التعقل والتأمل
« كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
أنبياءهم وما جاءوهم به من الكتب السماوية ولم يصدقوهم بما وعدوهم به
« فَانْظُرْ »
يا حبيبي
« كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
39 » أنفسهم من الأمم السابقة إذ عذبوا بأنواع العذاب بسبب تكذيبهم رسلهم ، وإن من كذبك يا خاتم الرسل ستكون عاقبته عاقبتهم . وفي هذه الآية تسلية لحضرة الرسول مما يلاقي من أذى قومه ، وتحذير للناس بأن يجتنبوا الظلم لئلا يقعوا في مصيره السيئ كما وقع الظالمون قبلهم .