قوله تعالى
( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ )
الآية المارة الذكر آنفا تؤيد ذلك ، إلا أن هذا لا يستقيم ، إذ جرت عادة اللّه التي لا تبدل بعذاب الاستئصال العام كما تشير اليه الآيتان المفسرتان ، وإن واقعة بدر وقعت على قليل منهم ولم تكن عقب خروجه كما فعل اللّه بقوم صالح ، إذ لم يتأخر عنهم العذاب إلا ثلاثة أيام ، وكذلك الأمم قبله وبعده فلم يتأخر عذابهم ولم يقع على بعضهم ، وسبب تعجل العذاب على أثر خروج النبي هو إذا وقع متأخرا يظن المعذبون أنه طارئ عادي ليس لإغضابهم أنبيائهم ، تدبر ، لهذا فان المرضي الذي لا غبار عليه ولا طعن فيه هو ما ذكرناه أولا من أن الآيتين مدنيتان ، والسبب في نزولهما هو تذكير اللّه نبيه ما أراد به قومه وهو في مكة ، وما ذكر عن اليهود الذين قالوا له إن كنت نبيا فاذهب إلى الشام ، وذلك لأن جميع الأنبياء إما من أرض الشام أو هاجروا إليها ، ولهذا توجه لتبوك عند سماعه قولهم ذلك . قال قتادة إن هذه السورة مكيّة إلا ثماني آيات وهي من قوله ( وإن كادوا ) إلى ( زهوقا ) فهن مدنيات وان كان الخفاجي لا يرضى هذا فقد خولف بكثير من أمثاله ، واللّه أعلم .
مطلب مأخذ الصلوات الخمس والجمع بينها :
قال تعالى
« أَقِمِ الصَّلاةَ »
التي فرضناها عليك وعلى أمتك ليلة الإسراء هذه
« لِدُلُوكِ الشَّمْسِ »
أي ميلانها إلى الزوال فتتناول هذه الجملة صلاتي الظهر والعصر ، ويرجح هذا القول بأن كل صلاة صلاها النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأمه بها جبريل عليه السلام هي صلاة الظهر حين علّمه كيفية الصلاة في يومين ، كما أشرنا اليه آخر قصة المعراج المارة ، وما قيل إن المراد غروبها ينافيه قوله تعالى
« إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ »
ظلمته لأن هذه الجملة تتناول أيضا المغرب والعشاء ، قال النّضر بن شميل غسق الليل دخول أوله قال الشاعر :
إن هذا الليل قد غسقا * واشتكيت الهم والأرقا
ويطلق على ظلمة الليل قال زهير بن أبي سلمى :
ظلّت تجود يداها وهي لاهية * حتى إذا جنح الاظلام والغسق