تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
وإن كان محاسبا عليه والحساب غير العقاب والعتاب . قال تعالى
( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )
الآية 284 من البقرة في ج 3 ، وقدمنا نبذة فيما يتعلق في هذا البحث في الآية 86 من سورة القصص المارة وله صلة واسعة في آية البقرة المذكورة آنفا فراجعها . وقد استدل بهذه الآية على أن العصمة بتوفيق اللّه وعنايته ، وركن بفتح الكاف مضارعها يركن بكسرها وتأتي بضم الكاف ومضارعها بفتحه كما في الآية ، قال تعالى
« إِذاً »
لو قاربت الركون إليهم بأدنى شيء
« لَأَذَقْناكَ »
بسبب تلك الركنة القليلة
« ضِعْفَ الْحَياةِ »
في الدنيا عذابا مضاعفا
« وَ »
أذقناك
« ضِعْفَ الْمَماتِ »
في الآخرة عذابا مضاعفا أيضا ، والمراد ضعف عذاب الأحياء وضعف عذاب الموتى ، والحذف في فصيح اللغة جائز ومرغوب ، وهذا يشمل عذاب القبر والبعث وما بعده أيضا ، وحاصل المعنى يقول اللّه تعالى لحبيبه محمد صلّى اللّه عليه وسلم وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لو أجبتهم إلى بعض طلبهم لضاعفت عليك عذاب الدنيا والآخرة ، وذلك أن الأبرار لو فعلوا ما يستوجب عذابا ما يكون ضعف عذاب الأشرار وأكثر ، لأنه لا يتوقع منهم الانحراف عن منهج الرشد أصلا بدليل قوله تعالى
« ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً »
75 يدفع عنك عذابنا أو يرفعه ، ففيها من التهديد والوعيد ما يتقيض له من يتقيض ولا يخفى أن الأنبياء لا نصير لهم إلا الذي قربهم وشرفهم بنبوته بادئ أمرهم ، وإن ما يقع من نصرتهم من بعض خلقه بتسخيره لهم ، فكيف يجدون نصيرا لهم من غيره ؟ كلا لا نصير له غير ربه . روي عن قتادة أنه لما نزل قوله تعالى : وإن كادوا إلى هنا ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : اللّهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين . فينبغي للمؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو على ركبتيه ويتدبر معناها ويستشعر خشية اللّه تعالى ويزداد تصلبا في دينه ، ويقول ما قاله نبيه صلّى اللّه عليه وسلم تقربا إلى اللّه ، لأن العبد أقرب ما يكون إلى اللّه إذا سأله بخلاف العبيد فإنه يكون أقرب ما يكون إليهم إذا لم يسألهم ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم ازهد بما في أيدي الناس تحبك الناس . وقال العارف :
لا تسألن ابن آدم حاجة * وسل الذي أبوابه لا تحجب
اللّه يغضب إن تركت سؤاله * وابن آدم حين يسأل يغضب