تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
وفي هذه الآية إجلال عظيم لحضرة الرسول من قبل ربه عزّ وجل ، وتنبيه على أن الأقرب من اللّه يكون أشد خطرا عنده كما يكون أشد خوفا منه . قال تعالى :
( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ )
الآية 28 من سورة فاطر المارة ، فإذا كان اللّه تعالى أوعد حضرة حبيبه على ما خطر بباله ولم يفعله بضعف ما أوعد به العصاة من العذاب المدخر لهم ، فكيف بنا أيها الناس ؟ اللّهمّ لا حول ولا قوة إلا بك ، فنسألك الهداية إلى سواء السبيل ، والعصمة من خطرات نفوسنا ومن وساوس الشيطان ودسائسه ومن شرار خلقك بفضلك يا رحمن . قال تعالى
« وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ »
يستخفونك ويزعجونك ويخرجونك
« مِنَ الْأَرْضِ »
التي ولدت فيها ونشأت عليها وبعثت إليهم فيها بسبب عداوتهم ومكرهم يريد أهل مكة حين ما كان صلّى اللّه عليه وسلم فيها بين أظهرهم قبل أن يهاجر عنهم . وهذه حادثه مكية يذكر اللّه تعالى بها نبيه في المدينة بعد ما فشا أمره وعلت كلمته في أرض مكة وما حولها وكان استفزازهم ذلك
« لِيُخْرِجُوكَ »
قسرا
« مِنْها وَإِذاً »
لو فعلوا ذلك وكان خروجك قهرا
« لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ »
أي بعدك وعليه قوله :
عفت الديار خلافهم فكأنها * بسط الشواطب بينهن حصيرا
أي بعدهم ، والشواطب اللائي يقدّون الأديم بعد ما يخلقنه
« إِلَّا قَلِيلًا »
76 لبثا يسيرا جدا ، إذ جرت عادة اللّه تعالى أن كل أمة أخرجت نبيها جبرا فإنه يهلكها استئصالا ، والمعنى أنهم لو أخرجوك كما أرادوا لأهلكوا عن بكرة أبيهم ، وهم أرادوا هذا وعرفوا وصمموا عليه ، ولكن اللّه لم يرده واللّه الغالب على أمره . هذا ، ولما لم يقع المقدّم وهو الخروج لم يقع الثاني وهو الهلاك ، إذ خرج حضرة الرسول من مكة مهاجرا بعد أن أذن اللّه له بالهجرة ، وهذا من جملة رحمات اللّه بقريش إرادة استبقائها . وإن ما جاء في قوله تعالى
( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ )
الآية 11 من سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلم في ج 3 لا يناقض معنى هذه الآية المفسرة ، لأن غاية ما فيها الاخبار عن انتصار اللّه تعالى لأنبيائه السابقين من أممهم المعاندين . وقصارى ما دلت عليه الآية المفسرة هو قرب الاستفزاز منهم تسببا إلى إخراجه ولم يكن حاصلا ولا واقعا ومعنى أخرجتك في الآية المستشهد