« وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا »
54 لهم حافظا أحوالهم أو كفيلا بما يلزمهم ، ولم نجعلك مسيطرا عليهم مأمورا بقسرهم ، فما عليك الآن إلا الاشتغال بالدعوة إلى الحق فقط ، فمن شاء منهم فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وعلى القول الثاني لا تشدد القول عليهم ، ولا تغلظ لهم ، ولا تجبرهم على الإيمان وتقسرهم لاتباعك وامتثال أوامرك ، لأنا أرسلناك بشيرا ونذيرا ، فدارهم ومر أصحابك بمجاملتهم ، وتحمل أنت وأصحابك أذاهم ، واتركوا المشاغبة معهم وأظهروا لهم اللين والرفق علّه يؤثر في قلوبهم ، وذلك لأن أحكام اللّه تدريجية حتى إذا ظهر لنبيه إيمان من آمن وإصرار من أصر على كفره كما في سابق علمه أمره بقتاله ، ولهذا فلا محل للقول لأن هذه الآية منسوخة بآية السيف ، لأن اللّه تعالى جعل للإرشاد والنصح أناسا وللسيف والقتل آخرين ، قال تعالى
« وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
وما هم عليه من أحوال ظاهرة وباطنة ؟ ؟ ؟ كلا لما يستأهله ، فيختار للنبوة والولاية من تراه حكمته أهلا لها ، وهذا ردّ على القائلين بعد أن يكون يتيم بن أبي طالب نبيا والعراة الجوع كصهيب وبلال وخباب وغيرهم أصحابا إليه ، دون الأكابر من قريش والصناديد منهم فلا نقبل دعوته ولا نؤمن به ، وذكر جل ذكره من في السماوات ، لإبطال قولهم
( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ )
الآية 21 من الفرقان المارّة ، وذكر من في الأرض رد لقولهم لولا أكابر قريش وصناديدهم معه
« وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ »
بالفضائل النفسانية والمزايا المقدسة ، وإنزال الكتب السماوية لا بكثرة الأموال والأتباع ، فأعطينا إبراهيم الخلة وشرفنا موسى بالتكليم وداود بالفضل وسليمان بالملك وخصصنا كل نبي بخاصة لم نعطها غيره ، فخلقنا عيسى من روحنا واتخذنا محمدا حبيبا
« وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً »
55 فضلناه به لا بالملك والسلطنة وفيه إيذان بأن نبينا خاتم النبيين وأمته خير الأمم إذ أن الزبور تضمن ذلك ، وقد أخبر اللّه عزّ وجل عن ذلك بقوله
( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ )
الآية 106 من سورة الأنبياء ، يعني محمد وأصحابه وأمته من بعدهم ، وهذا من باب التلميح راجع هذه الآية في ج 2 تجد أن ما جاء في الزبور موافق لما جاء في القرآن ، وسنبحث ما يتعلق فيها هناك