تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
الخوف ، وفي الآية دليل على أن رجاء الرّحمة وخوف العذاب مما لا يخلّ بكمال العابد ، وقد شاع عن بعض العابدين أنه قال لست أعبد اللّه تعالى رجاء جنّته ولا خوفا من ناره . والناس بين قادح لمن يقول ذلك ومادح ، والحق التفصيل ، وهو أن من قال هذا إظهارا للاستغناء عن فضل اللّه ورحمته فهو مخطئ كافر ، ومن قاله اعتقادا بأن اللّه تعالى أهل للعبادة لذاته بحيث لو لم يكن هناك جنّة ولا نار لكان أهلا لأن يعبد فهو محقق عارف كامل . والعبادات ثلاث عبادة للرياء والسمعة فهي مخادعة داخل أهلها في قوله تعالى
( يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا )
الآية 9 من سورة البقرة ج 3 ، وعبادة للخوف والرجاء فهي مسقطة للفرض وبالدرجة الثانية الوسطى ، فإذا لم يقصد منها الاستغناء فهي داخلة في معنى الآية المفسرة وإلا فهي الوسطى في نار جهنم ، وعبادة خلاصة للّه تعالى بقصد الاستحقاق لذاته وصرف النظر عن الخوف والرجاء فهي العبادة الحقيقية الموصلة إلى اللّه عزّ وجل الموصوف أهلها بقوله تعالى
( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ )
الآية 190 من آل عمران في ج 3 ، وفي اتحاد أسلوب الجملتين إيماء إلى تساوي رجاء أولئك الطالبين الوسيلة إليه تعالى بالطاعة والعبادة وحذرهم منه
« إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً »
57 يخافه كل أحد من ملك ومملوك ومن ملك وولي مقرب أو نبي مرسل ، فضلا عن بقية الخلائق ، وجدير بأن يحذره ويحترز منه كل أحد ، وهذه الجملة تعليل لقوله تعالى ويخافون إلخ ، وفي تخصيصها بالتعليل زيادة تحذير الكفرة من العذاب . انتهت الآية المدنية . قال تعالى
« وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ »
من القرى والتنوين هنا يفيد التعميم ، لأن إذ نافية بمعنى ما ، ومن صلة مؤكدة لاستغراق النفي ، فتفيد العموم أيضا
« إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها »
بإبادة أهلها وتخريبها بعدهم أو هدمها عليهم أو قلبها بهم أو بسبب آخر ، ويكون هذا
« قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ »
عند النفخة الأولى قال تعالى
( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ )
الآيات من سورة الحاقة في ج 2 لأن القيامة لا تقوم إلا بعد إتلاف هذا الكون بما فيه
« أَوْ مُعَذِّبُوها »
أي أهلها بالقتل وأنواع البلاء
« عَذاباً شَدِيداً »
لا تقواه قوى أهلها ولا يقدرون على رفعه عنهم