أما قول الرضي بأن هل لا تستعمل للإنكار فإنه يريد الإنكار على مدعي الوقوع كما في قوله تعالى
( أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ )
الآية 40 من سورة الإسراء الآتية ، والمعنى هل خالق مغاير له تعالى موجود لكم أو لغيركم ؟ كلا ، لا خالق سواه البتة
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ »
3 أي من أين يأتيكم البهت والافتراء والاختلاق بإنكار البعث والتوحيد مع أن اللّه يأمركم بهما ومع اعترافكم بأنه خالقكم ورازقكم ، فكيف يتوقع منكم التكذيب والإنكار ، وما سبب صدوره منكم ؟ قال تعالى
« وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ »
يا سيد الرسل فلا يهمنك شأنهم ولا يكن تكذيبهم عليك غمّة
« فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ »
من قبل أقوامهم وفي هذه الآية تعزية لحضرة الرسول بقومه وتسلية بمن قبله من الأنبياء الكثيرين الذين كذبتهم أقوامهم وأهينوا وقوتلوا مثله ، فله أسوة بهم ، وفي قوله تعالى
« وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
4 تهديد للكفار ، لأن اللّه تعالى يقول لا تعبأ بهم فمصيرهم إلينا وإنا سنجازي المكذب منهم بما يستحقه . وفيها نعي لكفار قريش بعدم تلقيهم آيات اللّه بالقبول
« يا أَيُّهَا النَّاسُ »
ثقوا وتيقنوا
« إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ »
ثابت واقع لا محالة ؛ لا يجوز تخلفه ، وهذا الوعد هو الملمع إليه بجملة
( وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ )
« فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا »
بزخارفها وطول الأمل فيها والصحة في الأبدان وكثرة الأرزاق والأمن
« وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ »
من حيث أنه غفور رحيم رؤوف كريم عطوف لطيف مما يمليه عليكم
« الْغَرُورُ »
5 من النفس والجن والإنس ، فكلها تغركم وكل مبالغ في العزة والأنفة فهو غرور ، وأغر كل غرور هو الشيطان الذي يستولي على قلوبكم بوسوسته ، لغفلتكم عن ذكر اللّه في أعمالكم وأقوالكم ، فاحذروا خداعه ومكره ، ولا تلتفتوا إلى إغوائه وإغرائه ، ولا تركنوا إلى الدنيا التي يزيّنها لكم . ثم صرح بذلك الغرور فقال
« إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ »
قديم تأصلت عداوته فيكم ، فلا تكاد تزول حتى يزول هو وليس بزائل إلا عند الأجل الذي ضربه اللّه له ، ولستم بمدركيه لأن موعده النفخة الأولى التي لا يحضرها إلّا شرار الناس ، فاهجروه رحمكم