تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
واعلم أن معنى الوحي الإيماء بالتكليم خفية عن أن يفهمه الغير ، وأصله الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض ، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة بعض الجوارح وبالكتابة ، وحمل عليه قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام
( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا )
الآية 11 من سورة مريم الآتية ولم يتكلم ، وحمل على الإيماء قول الشاعر :
نظرت إليها نظرة فتحيرت * دقائق فكري في بديع صفاتها
فأوحى إليها الطرف أني أحبها * فأثر ذاك الوحي في وجناتها
وقول الآخر :
أشارت بطرف العين خيفة أهلها * إشارة محزون ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا * وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم
وحمل على الإشارة قوله تعالى :
( آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً )
الآية 41 من آل عمران في ج 3 ، ( هذا وقد اتخذت الملوك والأمراء حروفا وكلمات بأرقام اصطلحوا عليها وعبروا عنها باسم شفره ) كناية عن هذا المعنى ، واستنباطا منه ، منعا من أن يفهم الغير ما يتخابرون به ، لأن اللّه تعالى علم البشر كيف يتخاطبون ، وكيف يتنعمون ، وكيف يعذبون ويعذبون ، مما وصفه من أحوال أهل الجنة والنار ، وقصه في كتابه المنزل هذا وكتبه السابقة أيضا ، وجعل أوائل السور رموزا بينه وبين حبيبه ، فلا يعرف معناها إلا هما كما سنبينه في مواضعه إن شاء اللّه ، هذا وان القول الجامع في معنى وحي اللّه لأنبيائه ، هو إعلام خفي سريع خاص بمن بوحيه اليه ، بحيث يخفي عن غيره الملاحق له ، كما كان يوحي اليه في فراش عائشة فيعلم ما هو المراد وهي لا تدري ما هو ، وكذلك كان يوحي اليه بمحضر من أصحابه فيعي ما يتلقاه ، وهم لا يعلمون شيئا منه إلا تغيّر حال الرسول عما كان عليه قبل الوحي لأنه عليه السلام كان يعتريه ثقل وشدة حال نزوله حتى أنه ليعرق في الوقت البارد ، من عظم ما يلاقي من هيبة كلام الرب جل جلاله .