تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
إلى أن قال
( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ )
يدل على تقدم الوحي على هذا الحديث . وقوله في الحديث الثاني : فإذا الملك الذي جاءني بحراء ، يدل على صحة ما جاء في حديث عائشة أيضا ، وان أول ما نزل هو
( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ )
، وقوله فيه أيضا : ثم حمي الوحي وتتابع ، أي بعد ما فتر ، وبعد نزول
( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ )
نزلت
( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ )
وبهذا يحصل الجمع والتوفيق بين الحديثين المذكورين ، وحديث عائشة المتقدم هو الصواب الذي لا مرية فيه والمجمع عليه على الإطلاق ، ومعنى فترة الوحي احتباسه وعدم تواليه ، ومعنى حمي الوحي كثر نزوله ، وحديث عائشة هذا يعد من مراسيل الصحابة لأنها لم تدرك هذه القصة فلا بد أنها سمعتها من حضرة الرسول أو من ثقات أصحابه ، ومرسل الصحابي حجّة عند جميع العلماء ولا سيما السيدة عائشة التي كان ينزل الوحي في فراشها وهي مع النبي بخلاف بقية نسائه ، فإنهن إذا نزل الوحي عليه وهو في فراش إحداهن انعزلت عنه ، فقد روى أبو يعلى في مسنده عن عائشة قالت : أعطيت تسعا وفيه ، وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفن عنه ، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه ، وبهذا يندفع التعارض باختصاص نزول الوحي في فراش عائشة ، تأمل ، وهذا النوع من القرآن يسمى الفراشي ، كيف وهي التي شهد اللّه ببراءتها وحسبك بها حجة ، ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا أبو إسحاق الأسفراييني . وإنما ابتدئ صلّى اللّه عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه الملك . بصريح النبوة ، فلا تتحملها قواه البشرية ، فبدأه بعلامتها . توطئة للوحي ، وإرهاصا إلى مقدمات النبوة . مطلب معنى الإرهاص والوحي ومأخذ الشفرة والإرهاص معناه هنا الإثبات ، يقال : أرهص الشيء إذا أثبته وأسسه على طريق المجاز . فهذه المقدمات التي تأتي الرسل من الرؤيا الصادقة والكشف والفراسة في الأمور ، أي التوسم بها - راجع الآية 75 من سورة الحجر في ج 2 تجد معناها - . وتخيل المعاني قبل وقوعها ، إثبات لنزول الوحي الإلهي وأساس للمنزول عليه ليقوى جنانه ويأخذ ما يتلقاه من الوحي بعزم وحزم ، وليعرفه حقا انه من اللّه دون تطرق لشك أو ظن أو وهم . تدبر هذا .