تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
بمقالك وكتابك وربك ، ولا تكافئهم على سفههم ولا تمارهم على جدالهم ، وعاملهم بالحكمة وأغض عما يسوؤك منهم وعن مساوئهم ، وقابلهم بأخلاقك لا بأخلاقهم ، فإنه أجدر بمقامك وأوقع بمكانتك وأليق بمخاطبتك ودم على هذا حتى يأتي الوقت الذي ستؤمر فيه بقسرهم ، وهذه الآية أجمع آية في القرآن العظيم لمكارم الأخلاق ، ففي أخذه بالعفو صلة من قطيعة والصفح عن من ظلمه ، وفي الأمر بالمعروف تقوى اللّه وغض البصر عن المحارم وصون اللسان عن الكذب ، وفي الإعراض عن الجاهلين تنزيه النفس عن السفهاء ومنازعة اللجوجين ، ولا شيء منها إلا وهو داخل في هذه الآية الكريمة من جوامع الكلم ، هذا وان ما قاله السدي بأن هذه الآية منسوخة بآية القتال لا وجه له ، ولا توجد ضرورة داعية إلى دعوى النسخ لأنها عبارة عن تحري حسن المعاملة والمعاشرة مع الناس وتوخي تبدل الجهد وإفراغ الوسع في الإحسان إليهم والمداراة لهم فيما لا يضر بالدين ويجلب إلى المودة وتحسين العلائق معهم . مطلب في النسخ والنزغ ومعناه . وأساس هذا كله المحبة للحق ، ومن دواعي المحبة وملاكها هذه المعاملة المبيّنة أعلاه والمعاشرة التي هي أساس كل خير وخلاصته ، وإذا علم أن للقرآن العظيم مادة عامة ومادة خاصة وان استعمال كل في موقعه من الحكمة التي ينبغي أن يتحلى بها كل حكيم محاكم لأمره ناظر عاقبته أيقن أن لا نسخ في هذه الآية وأشباهها مما أشرنا إليه قبلا سنشير به بعد ، وقد علم كل أناس مشربهم ولكل وجهة ، فالسعيد من لا يتعدى بوجهته ظاهر كلام اللّه ما وجد له محملا خشية أن يقع بما لا يرضيه ، وفقنا اللّه لرضاه . هذا . وما أحسن وقع هذه الآية الجليلة بعد تعداد أباطيل المشركين وقبائحهم بما لا يطاق حمله : قال ابن زيد لما نزلت هذه الآية قال صلّى اللّه عليه وسلم : كيف بالغضب يا رب ؟ فأنزل اللّه جل انزاله
« وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ »
أي نخس بوسوسة يروم إبقاءها في قلبك الشريف على خلاف ما أمرت به في هذه الآية وما قبلها مما أنزل عليك من الوحي فلا تمل إليه ولا تركن لما ينخسك به ولا
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 475 | السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني