بضيق الوقت لعظمة هيبته ، فاغتمّ لذلك ، وقال ردوها عليّ ، فصار يضرب سوقها وأعناقها بالسيف . كفارة لما وقع منه ، وتقربا إلى اللّه تعالى وطلبا لمرضاته ، وإعلاما بأنها من حطام الدنيا ، وأن الدنيا لا قيمة لها عنده ، وان ذلك كان مباحا في شريعته ، وبقي منها مائة فرس ، وان جلّ ما في أيدي الناس من نسلها ، فأبدله اللّه خيرا منها إذ سخر له الريح وجعلها تحت أمره كما سيأتي . وقد ذكرنا أن أقوال القصاص والأخباريين لا ننقلها ثقة بصحتها لأنهم مولعون بنقل كل غريب من غير تثبيت ، ولكن ننقلها على طريق الاستئناس أسوة بأكثر المفسرين للاطلاع عليه ، إذ قد يوافق نقلهم الواقع أحيانا كما هي الحال هنا من حيث المعنى على ما نرى ، ولا ننقل إلا المعقول منه شرعا ، وهذا مما يوافق ما جرينا عليه في التفسير قال تعالى :
« وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ »
ابتليناه لنختبره كسائر الأنبياء الذين امتحناهم لنظهر له وللناس ما كان معلوما ومدونا في لوحنا من قصة
« وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ »
المختص بجلوسه للملك
« جَسَداً »
لا روح فيه
« ثُمَّ أَنابَ 34 »
إلى ربه وندم على ما وقع منه ، وخلاصة قصته أنه ولد له ولد فقالت الشياطين لئن عاش لم ننفك عن الخدمة كما هي الحال في زمن أبيه ، وتآمروا على قتله ، فلما علم بذلك صار يغذيه في السماء خوفا عليه منهم فلم يحس إلا وقد ألقي ميتا على كرسيه فتنبه بأنه لم يتوكل على اللّه بشأنه ، فطلب مغفرة ربه فغفر له ، يؤيد هذا ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال عليه الصلاة والسلام قال سليمان : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه ولم يقل إن شاء اللّه ، فطاف عليهن فلم تحمل إلا واحدة منهن جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره ، فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون ، وجاء مثله في صحيح البخاري عدا أربعين بدل سبعين وزيادة أن الملك قال له إن شاء اللّه فلم يقل ، فالشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه عقوبة له لأنه لم يستثن ، وفيه قال المعري :
خاف غدر الأنام فاستودع الريح * سليلا تغذوه درّ العهاد