والحاجب وعلى كل فكل إشارة أو لفظ ما من شأنه إفادة القدح في الناس أو ذمهم داخل في هذا . قال الشاعر :
إذ لقيتك عن سخط تكاشرني * وان تغيبت كنت الهامز اللمزا
ومنه : تشير فأدري ما تقول بطرفها * وأطرق طرفي عند ذاك فتفهم
حواجبنا تقضي الحوائج بيننا * فنحن سكوت والهوى يتكلم
وقدمنا في تفسير الآية 11 من سورة القلم ما يتعلق بهذا وله صلة في الآية 11 من سورة الحجرات في ج 3 . قال أبو الجوزاء لابن عباس من هؤلاء الذين ذمهم اللّه بالويل قال المشاءون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الناعتون الناس بالمعيب وتتناول كل من يعيب الناس بما يفعلونه جهرا أو بظهر الغيب أو ما يبطنونه ولذلك قال تعالى :
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ
« الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ 2 »
مرّة بعد أخرى حبا له وشعفا به ولذلك يستصغر الناس ويهزأ بهم فيهمز هذا ويلمز ذاك ، وينم على ذلك ويعيب الآخر « أ
يَحْسَبُ »
هذا للعجب بنفسه
« أَنَّ مالَهُ »
المتكبر به جعله يسخر بالناس أو أنه
« أَخْلَدَهُ 3 »
في هذه الدنيا أيضا ويحسب أنه لا يموت ولا يبعث ولا يحاسب ولا يقاص
« كَلَّا »
لا يظن ذلك إذ لا حقيقة لهذا الحسبان فلا شيء يخلد في الدنيا ، ولا يبقى شيء بلا جزاء ، على أن الذي يخلد الذكرى يتوقع منه الخير ، هو العمل الصالح ، قال علي كرم اللّه وجهه : مات خزّان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر . ثم أقسم جل شأنه فقال :
« لَيُنْبَذَنَّ »
ليقذفن هذا الخبيث واضرابه
« فِي الْحُطَمَةِ 4 »
الدركة الثانية في النار ، وسميت حطمة لأنها تحطم العظام لأول وهلة
« وَما أَدْراكَ »
أيها الإنسان
« مَا الْحُطَمَةُ 5 »
شيء عظيم هي لا ينالها عقلك ، وفيها تهويل وتفظيع لأمرها ، لأنها هي
« نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ 6 »
التي لا تخمد أبدا ، فويل لك أيها العياب الطّعان المتعظم على الناس بالمال منها ، فإنها لشدة إحراقها
« تَطَّلِعُ »
حال القائك فيها وأمثالك
« عَلَى الْأَفْئِدَةِ 7 »
فيصل ألمها للقلوب لأنها موطن الكفر والنيات السيئة والعقيدة الفاسدة ، أي أن هذه النار تدخل من أفواه المعذبين فتصل إلى صدورهم ، فتصلي أفئدتهم من غير أن تحرقها