پرش به محتوای اصلی

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحه 129

پدیدآورندگان:

ص۱۲۹
وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
[ الأحزاب : 15 - 16 ] ، فلما خانوا أماناتهم بالفرار والتعويق لإخوانهم ، والتثبيط لهم وما كان من شنائعهم في تلك الغزوة ، بين اللّه تعالى في خاتمة السورة ، شأن الأمانة ، وعظم خطرها ، وأنها عند اللّه بمكان عظيم . وذلك لأن من أعطى من نفسه موثقا ، عاهد اللّه عليه فاطمأنت به النفوس ووثقت به وركنت إليه وأدرجته في عداد من يشدّ أزرها ، فإذا هو غادر خائن كاذب متلاعب ، يتخذ عهود اللّه هزؤا ولعبا ، فيخذل من وثق به ، ويمالئ العدوّ عليه ويثبط من يجرى منه نوع معونة ، ويوقع الأراجيف ليوهي العزائم ويضعف الهمم ، فتكثر القالة وترتبك العامة فما أسوأ ما يأتي به وما أفظع ما ارتكب وما أعظم جريمته ! وجليّ أن عظم الجريمة بقدر عظم آثارها ، وما ذكر بعض من آثارها . ففي أي مرتبة تكون الخيانة ؟ لا جرم أنها في أحط المهاوي الدنيئة . كما أن مرتكبها في الدرك الأسفل من النار . فالأمانة المذكورة في الآية باعتبار سياقها وسباقها ، هي الأمانة التي خان في تحملها المنافقون ، ونقضوا بها عهدهم في هذه الواقعة . وكان من أثرها السيّئ في المدينة وأهلها ما كان - وإن كان لفظها يعم ما ذكر وغيره ، والإنسان هنا ، المعنيّ به جنس المنافق الذي قصّ من نبئه ما قصّ . والقصد لومه على كونه تحمل ما تحمل ، ثم نقض ذلك عن عمد وقصد ، ظلما لنفسه وجهلا بالعاقبة وباللوم الذي يتبعه ، وبالعذاب الذي سيلقاه ، وبكون هذا الأمر أمرا ربّانيا وعزيمة إلهية ما هي بالهزل . والمراد بعرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال ، هو ظهور خطرها لهذه المكونات ، وفظاعة الخيانة فيها ، وإشفاق كلّ من خطر تحملها . وإبائهن ذلك لو كن مما يعقلن . مع أنهن أقوى أجساما وأعظم ثباتا وأصبر على طوارئ الحدثان ، تخوفا من أن يطغين في أمرها أو يعصين في شأنها . وإن الإنسان ، مع ضعفه بالنسبة لهن ، حملها وما حفظها ولا رعاها . واجترأ مع ضعفه على ما أشفق منه ما هو أقوى منه . فما أظلمه وما أجهله ! والقصد رميه بالظلم والجهل . وجراءته على الخيانة وعدم مبالاته بما ترهب منه السماوات والأرض والجبال . فيا للّه ما أطغاه ! فذكر هذه الأجرام الكبيرة تهويل لخطر الأمانة ، وأنهن لو عقلن لكان منهن ما كان . ونظير هذه الآية في ذكر هؤلاء الثلاثة قوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
[ مريم : 88 - 91 ] ، وحقا أن سبك المعنى المذكور في قالب هذا النظم البديع لمعجزة من معجزات التنزيل ، وخارق من خوارقه في باب البلاغة . فإن أسلوبه في