تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً
أي بجعل الصدق إفكا ، والبريء عن الإعانة معينا
وَزُوراً
أي باطلا لا مصداق له ، يعلمون من أنفسهم أنه باطل وبهتان
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها
أي ما سطروه ، كتبها لنفسه وأخذها
فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ
أي تلقى عليه ليحفظها
بُكْرَةً وَأَصِيلًا
أي دائما . قال ابن كثير : وهذا الكلام ، لسخافته وكذبه وبهته منهم ، يعلم كل أحد بطلانه . فإنه قد علم بالضرورة : أن محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لم يكن يعاني شيئا من الكتابة ، لا في أول عمره ولا في آخره . وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده ، إلى أن بعثه اللّه نحوا من أربعين سنة ، وهم يعرفون مدخله ومخرجه وصدقه وبره ونزاهته وأمانته . وبعده عن الكذب والفجور وسائر الأخلاق الردية ، حتى إنهم كانوا يسمونه في صغره ، وإلى أن بعث با ( لأمين ) لما يعلمون من صدقه وبره . فلما أكرمه اللّه بما أكرمه به ، نصبوا له العداوة ، ورموه بهذه الأقوال ، التي يعلم كل عاقل براءته منها . وحاروا بما يقذفونه به ، فتارة من إفكهم يقولون : ساحر . وتارة يقولون : شاعر . وتارة يقولون : مجنون . وتارة يقولون : كذاب ، قال اللّه تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا *
[ الإسراء : 48 ] و [ الفرقان : 9 ] ، وقال تعالى في جواب ما افتروه هنا .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 6 ]

قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 )
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي الخفيّ فيهما . إشارة إلى علمه تعالى بحالهم بالأولى . ومن مقتضاه رحمته إياهم بإنزاله ، لزيادة حاجتهم وافتقار أمثالهم إلى إخراجهم من الظلمات بأنواره . وفي طيّه ترهيب لهم بأن ما يسرونه من الكيد للنبيّ عليه الصلاة والسلام ، مع ما يتقولونه ويفترونه ، لا يعزب عن علمه . فسيجزيهم عليه بزهوق باطلهم ومحو أثرهم ، وسموق حقه وظهور أمره
إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
تعليل لما هو مشاهد من تأخير عقوبتهم ، مع استيجابهم إياها . أي فهو يمهل ولا يعاجل لمغفرته ورحمته . أو الوصفان كناية عن كمال قدرته على الانتقام منهم . لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر . هذا ما يستفاد من ( الكشاف ) ومن تابعه ، لبيانه مطابقة ذلك لما قبله . وقال ابن كثير : قوله تعالى
إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
دعاء لهم إلى التوبة والإنابة ،
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 418 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود