الرابع - قال الزمخشري : لو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة ، لم تر اللّه تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة ، رضوان اللّه عليها ، ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه - ما أنزل فيه ، على طرق مختلفة وأساليب مفتنّة . كل واحد منها كان في بابه ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث يعني قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ
[ النور : 23 ] ، إلى قوله تعالى :
هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
لكفى بها . حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا . وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة . وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا .
وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله ، حتى يعلموا عند ذلك ، أن اللّه هو الحق المبين . فأوجز في ذلك وأشبع وفصّل وأجمل وأكد وكرر ، بما لم يقع في وعيد المشركين ، عبدة الأوثان ، إلا ما هو دونه في الفظاعة . وما ذاك إلا لأمر . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه كان بالبصرة يوم عرفة . وكان يسأل عن تفسير القرآن .
حتى سئل عن هذه الآيات فقال : من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته ، إلا من خاض في أمر عائشة ، وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك . ولقد برأ اللّه تعالى أربعة بأربعة : برأ يوسف بلسان الشاهد
وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها
[ يوسف : 26 ] ، وبرأ موسى « 1 » من قول اليهود فيه ، بالحجر الذي ذهب بثوبه . وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى في حجرها
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
[ مريم : 30 ] ، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلوّ على وجه الدهر ، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات . فانظركم بينها وبين تبرئة أولئك ؟ وما ذاك إلا لإظهار علوّ منزلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والتنبيه على إنافة محل سيد ولد آدم وخيرة الأولين والآخرين وحجة اللّه على العالمين .
ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه صلى اللّه عليه وسلم وتقدم قدمه وإحرازه لقصب السبق دون كل سابق فليتلقّ ذلك من آيات الإفك . وليتأمل كيف غضب اللّه له في حرمته ، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه .
( فإن قلت ) إن كانت عائشة هي المرادة ، فكيف قيل : المحصنات ؟ ( قلت ) :
فيه وجهان : أحدهما - أن يراد بالمحصنات أزواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأن يخصصن بأن من قذفهن ، فهذا الوعيد لاحق به . وإذا أردن وعائشة كبراهن منزلة وقربة عند رسول
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الغسل ، 20 - باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ، حديث رقم 201 ، عن أبي هريرة .