تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
[ التوبة : 49 ] ، فإنها نزلت في الجدّ بن قيس لما أمره النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن يتجهز لغزو الروم فقال : إني مغرم بالنساء وأخاف الفتنة بنساء الروم . فهذا ونحوه مما يكون باللسان من القول . وأما ما يكون من الفعل بالجوارح ، فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، داخل في هذا . بل يكون عذابه أشد . فإن اللّه قد توعد بالعذاب على مجرد المحبة . وهذه قد لا يقترن بها قول ولا فعل . فكيف إذا اقترن ؟ بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه اللّه تعالى من فعل الفاحشة والقذف بها وإشاعتها في الذين آمنوا . ومن رضي عمل قوم حشر معهم . كما حشرت امرأة لوط معهم . ولم تكن تفعل فاحشة اللواط . فإنه لا يقع من المرأة . ولكن لما رضيت فعلهم ، عمّها معهم العذاب . فمن هذا الباب قيل : من أعان على الفاحشة وإشاعتها ، مثل القواد . لما يحصل له من رئاسة أو سؤدد أو سحت يأكله . وكذلك أهل الصناعات التي تنفق ، مثل المغنين وشربة الخمر وضمان الجهات السلطانية وغيرها ، فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا . فإنها إذا شاعت تمكنوا من أغراضهم من الرياسة والمال وفعل الفاحشة وتمكنوا من دفع من ينكرها ، بخلاف ما إذا كانت قليلة . ولا خلاف بين المسلمين أن ما يدعو إلى معصية اللّه وينهى عن طاعته ، منهيّ عنه محرّم . كما قال تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ العنكبوت : 45 ] ، أي ما فيها من ذكر اللّه وطاعته وامتثال أمره أكبر من ذلك . وقال في الخمر والميسر :
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ
[ المائدة : 91 ] ، أي يوقعهم ذلك في معصيته التي هي العداوة والبغضاء ، وهذا من أعظم المنكرات التي تنهى عنه الصلاة ، والخمر تدعو إلى الفحشاء والمنكر ، كما هو الواقع . فإن شارب الخمر تدعوه نفسه إلى الجماع حلالا كان أو حراما . فإن اللّه سبحانه لم يذكر الجماع ، لأن الخمر لا يدعو إلى الحرام بعينه من الجماع . والسكر يزيل العقل الذي يميز به بين الحلال والحرام . والعقل الصحيح ينهى عن مواقعة الحرام . ولهذا يكثر شارب الخمر من مواقعة الفواحش . ما لا يكثر من غيرها ، حتى ربما يقع على ابنته وابنه ومحارمه . وقد يستغني بالحلال إذا أمكنه . ويدعو شرب الخمر . إلى أكل أموال الناس بالسرقة والمحاربة وغير ذلك . لأنه يحتاج إلى الخمر وما يستتبعه من مأكول وغير ذلك من فواحش وغناء . وشرب الخمر يظهر أسرار الرجال ، حتى يتكلم شاربه بما في باطنه وكثير من الناس إذا أرادوا استفهام ما في قلوب الرجال من الأسرار ، سقوهم الخمر ، وربما يشربون معهم ما لا يسكرون به . وأيضا فالخمر تصدّ الإنسان عن علمه وتدبيره . فجميع الأمور التي تصد عنها وتوقعها من
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 357 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود